تخضع الساحة المسيحية منذ أكثر من عام لحفلة مزايدات تحت عنوانين: التمثيل المسيحي والتمسّك بالمواعيد الدستورية. والكلام عن المزايدات ليس المقصود منه الإساءة إلى بعض القيادات المسيحية وتحديداً في 14 آذار لجهة حرصها الفعلي على صحّة التمثيل وتطبيق الدستور، خصوصاً أنها دفعت من “اللحم الحي” ثمن تمسّكها بهذين العنوانين منذ ولادة اتفاق الطائف.
ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الانتخابات بدّلت في أولويات القادة المسيحيين، حيث جعلت المواضيع أو الهواجس المسيحية تتصدر أجندتهم السياسية، وخطورة هذا التبدّل لا تكمن فقط في إعطاء النائب ميشال عون مشروعية الدفاع عن الحقوق المسيحية بعد تفريطه بأهم عنوان مسيحي يتصل بمفهومَي لبنان والدولة، نتيجة تحالفه مع “حزب الله”، إنّما الخطورة الأساسية تبقى في تكوين عصبية مسيحية بدلاً من عصبية وطنية، وجعل اهتمامات الرأي العام المسيحي مسيحية لا وطنية.
والدليل على هذا الكلام أنّ كل النقاش السياسي الدائر داخل البيئة المسيحية يتركز على طبيعة القانون الذي يخوّل المسيحيين التأثير بانتخاب أكبر عدد من نوّابهم، فضلاً عن كل ما يتصل بهذا العنوان من الفريق المستعدّ للتضحية بالمصلحة الوطنية في سبيل المصلحة المسيحية، وعدم التنازل عن الـ64 نائباً “لو كلّفت حرباً جديدة”، إلى الفريق الذي يوازن بين المصلحتين من منطلق أن مصلحة المسيحيين تكمن في التكامل بين البعدين المسيحي والوطني لا التعارض بينهما، وما بين الفريقين فريق ثالث همّه فقط المزايدة على الطرفين بخلفية توسيع قاعدته على حسابهما.
فهذا النقاش في الحقيقة مملّ، فضلاً عن أنه غير صحّي، خصوصاً في ظلّ الصراع السنّي-الشيعي، عسكرياً في سوريا، وسياسياً في لبنان وعلى مستوى المنطقة، إذ إنّ الكلام عن حقوق المسيحيين في هذه اللحظة بالذات يشكّل، ولو بصورة غير مباشرة، مساهمة في تسعير الصراعين المذهبي والطائفي، فيما رفع المسيحيّين لعناوين وطنية يشكّل مساهمة جدّية في إخراج هذا الصراع من بُعده المذهبي ووضعه في إطاره السياسي الصحيح.
فدور المسيحيّين ليس التوفيق بين السنّة والشيعة على قاعدة تجسير العلاقة بينهما، ولا التعامل معهما على قاعدة أفضل التفضيل أو التحوّل إلى “صليب أحمر” بين الطرفين، بل دورهم يكمن في رفع الثوابت الوطنية التي على أساسها فقط يتم التقاطع مع كل من يتقاطع مع هذه الثوابت بمعزل عن دينه ومذهبه وطائفته ولونه، بمعنى أن التقاطع يتم على قاعدة سياسية لا طائفية.
فالتحدّي الأساسي أمام المسيحيين يكمن بإبقاء طابع الصراع سياسياً ومدنياً، لأنّ مذهبته وتطييفه لا يخدم مصلحتهم واستمراريتهم لجملة أسباب تبدأ بالديموغرافيا ولا تنتهي بطبيعة الانقسام في المنطقة والانشداد نحو المحاور الخارجية. ومن هنا على القيادات المسيحية التي لا تبغي الشعبوية إخراج المسيحيين من المناخ الطائفي الذي أوجده الأرثوذكسي، لأنهم في هذا المناخ يشكّلون الحلقة الأضعف، فيما بإمكانهم أن يكونوا الحلقة الأقوى إذا استعادوا أدبيّاتهم الدولتية-التاريخية من التحييد إلى أولوية مشروع الدولة.
وإذا كان من مزايدة مسيحية مطلوبة فهي المزايدة الوطنية بعناوين مدنية، وليس مزايدة مسيحية بعناوين حقوقية، خصوصاً أنّ الانقسام في لبنان هو انقسام سياسي بين مشروعين، وليس انقساماً طائفياً بين المسيحيين والمسلمين.
وإذا كان هناك من إجحاف في التمثيل المسيحي أو انتقاص من صلاحياتهم داخل النظام، فتصحيح هذا الخلل مستحيل من مربّع طائفي وحتى لو كانت مطالبهم مشروعة، لأنّ أي مطلب من هذه الجهة سيقابله مطلب آخر من الجهة المقابلة، وهكذا دواليك، فيما استعادة دورهم داخل النظام لا يتطلب تعديلاً للدستور ولا إعادة نظر بالصلاحيات، إنما تحوّلهم مجدّداً إلى رأس حربة في الدفاع عن قيم الجمهورية.
وإذا كان من حسنة وحيدة للتمديد فهي أنها ستطوي الحقبة الانتخابية الأسوأ في تاريخ المسيحيين التي أظهروا فيها أنّ اهتماماتهم المحلية تطغى على اهتمامتهم الوطنية، فيما رفع قياداتهم للعناوين الوطنية هي التي أكسبتهم تاريخياً داخل بيئتهم.
لم يكن أحد يتصوّر أن ينحدر النقاش إلى مستوى المزايدة حول من هي الجهة الأحرص على إيصال 64 نائباً منتخبين بأصوات المسيحيين، من دون الاكتراث أو التوقف أمام التوجهات السياسية لهؤلاء المسيحيين، فضلاً عن إعطاء انطباع أنّ همّ المسيحيين ينحصر في إيصال نوّابهم، فيما همّهم يفترض أن يكون بإيصال 128 نائباً بتوجّهات لبنانية يعملون على انتاج سلطة تعيد الاعتبار للدولة ودورها.
لعلّ التمديد لا يكون تمديداً للمزايدات المسيحية، وتكون باكورة الانطلاقة الجديدة بتصويت 14 آذار مجتمعة على التمديد غير عابئة بمزايدات العماد عون المتصلة بحسابات بترونية، اعتقاداً منه أنّ الظرف الحالي أكثر من مؤات لنجاح الوزير جبران باسيل في الانتخابات في فرصة لن تتكرّر لاحقاً.. ويبقى أنه ليس جديداً على عون أن يحبط اتفاقاً وطنياً لحسابات “باسيلية”…
