يذهب معظم “المتنورين” المترفين الى ربط مسلسل الاضطرابات الامنية في لبنان والذي كانت آخر حلقاته استهداف الجيش امس في عرسال بالمهزلة الانتخابية الجارية بفصول تكاد تدفع باللبنانيين الى الكفر بديموقراطية عليلة على هذا الطراز.
ويأخذنا هؤلاء الى الظن ان القوى الكبرى والصغرى المتورطة في الصراع السوري وضعت نصب اهدافها الظرفية الحالية اشعال لبنان تبريرا للتمديد لـ128 نائبا يمثلون “الكون السياسي” ولا غنى للتوازن الدولي عنهم!
نحار فعلا امام هذا الوجه الاخر للمهزلة فيما تسيل دماء لبنانية وتنذر بمزيد سواء على الارض السورية ام على الارض اللبنانية بما يشكل اثباتا داميا يوميا للخطر الزاحف على لبنان جراء الصراع السوري. ولأن “ديموقراطية” كتلك التي يجري تقديمها في يوميات المهزلة لا تبقي اي ندم او حسرة حيال مجلس مجدد له بالمعايير القائمة او ممدد له بالقانون النافذ، لا غرابة اذن ان نتساءل عن جدوى انتخابات ستهرب “على عجل” بعد اسبوعين ولا يزال بعض ممانعي التمديد يدفعون الى “التسبب” بها.
وبصراحة، لما كانت المبارزات المسيحية امرا سلبيا لو نجحت في استصدار قانون انتخابي جديد، بل لعلها كانت انقذت النظام من نكسة التمديد الزاحفة وربما لكانت ايضا اسقطت ذريعة الظروف الامنية التي سيتظلل بها التمديد. لكن الفشل السياسي في التوصل الى قانون جديد، بما يرتبه من مسؤوليات على الزعامات المسيحية والاسلامية معا اوصل البلاد الى الانكشاف الدستوري والسياسي الكامل امام خطر زعزعة الاستقرار الوافد عبر الحدود السورية.
يقف لبنان الآن امام لحظة التأخير القاتلة في استدراك الخطرين: خطر التهديد الامني، وخطر تهديد الديموقراطية. ولا يمكن احدا ان يجزم بما اذا كانت انتخابات في 16 حزيران، لا تزال قادرة على ان تشكل رافعة الانقاذ للديموقراطية ام ستكون بمثابة هروب متهور الى مغامرة شديدة الخطورة. ولا بد من الاعتراف بان الفشل السياسي والخوف من الانفجار دفعا بالناس الى تفضيل “ديموقراطية عالقة” ومريضة بكل علاتها على انتخابات تجري على ايقاع مفاجآت امنية بات الصراع السوري يصدرها الى لبنان بفضل المتورطين فيه. ولم يعد خافيا على احد ان لبنان اقحم عبر معركة القصير تحديدا، في محور دموي يبدأ بالعراق حيث معدل التفجيرات عاد الى ذروات لم يبلغها في زمن الاحتلال الاميركي، ويمر بالبركان السوري ولا يتوقف في الهرمل وطرابلس وعكار وعرسال والضاحية وصيدا.
تأخر لبنان كثيرا عن انقاذ ديموقراطيته، ودهمه كل ما ينذر بتهديد بقايا الاستقرار. وعبثا البحث عن “بطولات” وهمية، بالتمديد او بانتخابات “المايكروويف”.