#adsense

“ديموقراطية” التمديد في مواجهة .. التهديد

حجم الخط

بعد ظهر اليوم، على اللبنانيين أن يهنئوا أنفسهم أولاً وأن يوجهوا التهنئة بعدها بجميع الوسائل المتاحة لديهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، إلى شعوب العالم أجمع لكي يستفيدوا من صحة نظرية الديموقراطية التوافقية وجدواها، وهي النظرية الفريدة التي لا تدخل في قاموس مفاهيم الديموقراطية في أي دولة أخرى في العالم، باستثناء لبنان. لقد تمكّن اللبنانيون من تجاوز أزمة الدخول في المجهول الذي كان ليتسبب به الفراغ في السلطة التشريعية، واقتنع ممثلوهم في الندوة البرلمانية بأن أهون الشرور هو التمديد لأنفسهم.

لا انتخابات نيابية، وهي من مقومات الديموقراطية الصحيحة في أي بلد في العالم، إلا بالتوافق، وهذا لا يصح إلا في لبنان .. لا توافق على القانون الانتخابي، والنتيجة: التمديد. لا توافق على تشكيل الحكومة، والنتيجة: رئيس حكومة مكلّف وحكومة تصريف أعمال إلى حين .. التوافق. نظرية عجيبة غريبة هي الديموقراطية التوافقية، لكنها في حالة لبنان، أجّلت المحتوم وأبعدت عن اللبنانيين الكأس المرة.

صحيح أن الظروف الاستثنائية القاهرة التي يمرّ بها لبنان، على ما يزعم مؤيدو ومروّجو نظرية التمديد، تحتّم تأجيل الاستحقاق الدستوري، أو تمديد ولاية المجلس النيابي. غير أن هذه الظروف لم تكن استثنائية أو قاهرة من عدم، فقد قرّر “حزب الله”، أحد المكونات الرئيسة للمجتمع اللبناني الذهاب عن سابق تصوّر وتصميم للقتال في مدينة القصير السورية وريف دمشق، ضارباً بذلك اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وضرب طاولة الحوار التي اجتمع حولها اللبنانيون على مختلف تنوعّهم السياسي والطائفي والمذهبي ليخرجوا بما عرف بـ “اتفاق بعبدا” الذي أعلن حياد لبنان وإبعاده عن المحاور الإقليمية والدولية، وضرب أخيراً وليس آخراً السياسة الرسمية للدولة اللبنانية التي قررت عبر مجلس وزرائها سياسة “النأي بالنفس” عن الأزمة السورية.

ومما لا شك فيه أن النتيجة الحتمية لهذا التصرّف الأحادي الجانب ستكون كارثية على لبنان واللبنانيين، كل اللبنانيين، وعلى الرغم من كل المناشدات التي طالبت الحزب وأمينه العام السيد حسن نصرالله بالانسحاب الفوري من سوريا ووقف تورّطه في القتال إلى جانب النظام الذي يذبح شعبه، فإن السيد نصرالله صمّ أذنيه وطالب معارضيه بأن يقاتلوه في القصير في سوريا، وليس في لبنان “درءاً للفتنة”.

وصفة عجيبة غريبة لا تخرج عن إطار “التوافقية” ..
وفي ظل هذا الجوّ المتشنّج، وجد المشرّعون اللبنانيون أنه لا يمكن إجراء الانتخابات، وبحسب رئيس مجلس النواب نبيه برّي “فالحرية غير متاحة لا للمرشح ولا للناخب”. لا خلاف على هذا المنطق. لكن لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لتشريح قرار التمديد للمجلس والأسباب التي أدّت إليه.

في كانون الأول من العام 2012، ألقى السيد نصر الله خطاباً وضع خلاله اللبنانيين أمام خيارين: إما انتخابات استناداً الى قانون الستين أو عدم إجراء الانتخابات. لم يستطع “حزب الله” في انتخابات العام 2005 وبعدها في انتخابات العام 2009 تحقيق ما يصبو إليه، وهو غالبية نيابية تسمح له تشكيل حكومة من لون واحد يتمكّن من خلالها من التحكّم بمصائر البلاد والعباد، فراح يرسم خططه للحصول على الغالبية النيابية ورأى في اقتراح القانون المسمّى زوراً “اللقاء الارثوذكسي” فرصة سانحة لهذه الغاية ينفّذها من خلال التستّر وراء مطالب حليفه النائب ميشال عون رئيس “التيار الوطني الحر” بحقوق المسيحيين وصحة التمثيل.

غير أن مزايدة عون على الساحة المسيحية دفعت حزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب” إلى الاجتماع تحت سقف بكركي وبرعاية الكاردينال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي للالتفاف حول المشروع “الارثوذكسي” فدخلت البلاد في مرحلة يمكن وصفها بحق مرحلة “لجنة التواصل” التي غاصت في دراسة مشاريع قوانين انتخابية تراوحت بين “الأكثري” و”النسبي” و”المختلط” لكن من دون التوصّل إلى نتيجة إيجابية تشفي غليل اللبنانيين وتنتج قانوناً انتخابياً عادلاً يرضي جميع الفرقاء.

وعادت نغمة الديموقراطية التوافقية لتفعل فعلها. فعشية 15 أيار الحالي موعد انعقاد الجلسة العامة لمجلس النواب للتصويت على مشروع القانون “الارثوذكسي” توصل “تيار المستقبل” والحزب “التقدمي الاشتراكي” و”القوات اللبنانية” إلى طبخة مشروع قانون انتخابي مختلط، اعاد خلط الأوراق وفرّق عشاق المشروع “الارثوذكسي” بانسحاب “القوّات” منه. وبعدما كان الرئيس بري يصر على دعوة الهيئة العامة للانعقاد لكن من دون طرح مشروع قانون انتخابي على التصويت لغياب مكونين أساسيين عنها هما الدروز والسنّة، بحجّة الميثاقية والتوافقية، عاد الرئيس برّي نفسه وقرر عدم الدعوة الى جلسة عامة يغيب عنها مكوّن رئيسي وهم الشيعة الذين يعارضون مشروع القانون المختلط الذي وافق عليه “المستقبل” و”الاشتراكي” و”القوات”.

وقرر بري ترؤس “لجنة التواصل” التي عقدت 8 جلسات برئاسته علّها تصل إلى “التوافق” على قانون انتخابي، لكن من دون جدوى. ودخلت البلاد في عنق زجاجة ربع الساعة الأخير وأصبح الجميع أمام احتمالات إجراء الانتخابات وفق قانون الستين الساري المفعول، أو التمديد للمجلس النيابي الحالي أو الفراغ التشريعي بوصول مجلس النواب إلى نهاية ولايته وعدم القدرة على انتخاب مجلس جديد.

ومع تفلّت الوضع الأمني في طرابلس، وتطاير الصواريخ السورية فوق مدينة الهرمل البقاعية، والرسالة الصاروخية الغامضة باتجاه الضاحية الجنوبية، والاعتداء على الجيش اللبناني في بلدة عرسال، وأزمة دار الافتاء في عاصمة الجنوب صيدا، بدا واضحاً أن التفجيرات الأمنية المتنقلة احدثت إرباكاً عاماً طاول جميع المناطق اللبنانية من دون استثناء وفرض نفسه حدثاً أولوياً يحتّم تأجيل الانتخابات، لأسباب أمنية على الأقل.

ومع تعذّر التوافق على قانون انتخابي، ومع مخاطر الوضع الأمني المتنقّل، فإن الديموقراطية التوافقية وجدت نفسها أمام حل لا بد منه وهو التمديد للمجلس الحالي. وعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان هدّد مراراً بعدم توقيع قانون التمديد إلا إذا كان لأسباب تقنية، إلا أن فخامة الرئيس لن يقبل بوصول البلاد إلى فراغ تشريعي وهو من هذا المنطلق قد يلجأ إلى الطعن بقانون التمديد لكن من باب احترام عمل المؤسسات واحترام مبدأ تداول السلطة، التي هي الأخرى من أهم مميزات الديموقراطية “غير التوافقية”.

الفراغ ليس امراً مستجداً على اللبنانيين، فقد عايشوه رئاسياً في العام 1988 مع نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل، وحكومياً مع أزمات التشكيل التي عايشها الرئيسان سعد الحريري ونجيب ميقاتي، ومن قبلهما رئيس الوزراء الراحل الشهيد رشيد كرامي عند اعتكافه الشهير في العام 1969 والذي استمر ستة أشهر، غير أنها المرة الأولى التي يواجه فيها البلد احتمال الفراغ في مؤسسة مجلس النواب، ام المؤسسات الدستورية.

لقد وجد “حزب الله” نفسه بعد انغماسه في وحول الأزمة السورية، قانعاً بالتمديد للمجلس وتأجيل مرحلة إطباقه على الأكثرية في الندوة البرلمانية إلى حين تفرّغه لها. ووجد القواتيون أنه من خلال التمديد للمجلس سيتمكنون من العمل بتؤدة على استعادة ما يمكن أن يكونوا قد شعروا بفقدانه في قاعدتهم الشعبية نتيجة تراجعهم عن تأييد القانون “الارثوذكسي”. و”الكتائبيون” وجدوا في التمديد فرصة سانحة لهم لكي يعيدوا إنتاج صيغة انتخابية تسمح لهم تحسين تمثيلهم وتحصيل حقوقهم من دون “منة من أحد”، والاشتراكيون الذين لا يخفون أن القانون الحالي يفيدهم، اعلنوا أنهم وضعوا مصلحتهم جانباً مفضّلين المصلحة الوطنية العامة التي يمكن أن تتعرّض لنكسات في حال إجراء الانتخابات وفقاً للقانون الحالي. وتيار “المستقبل” الذي هو الآخر يستفيد من القانون الحالي مثله مثل الحزب “الاشتراكي”، فقد وجد أن أكثرية نيابية تسير بالتمديد فلا يريد أن يجد نفسه سابحاً عكس التيار، فقبل على مضض، ونجحت محاولاته في تقليص المدة المقترحة للتمديد من سنتين إلى 17 شهراً، ربطها بوجوب اقتران التمديد بشرط التوصل إلى قانون انتخابي جديد خلال هذه الفترة، تجرى الانتخابات النيابية على أساسه. أما الرئيس بري فهو الذي خاط بمهارة بزة التمديد، وساق بحرفته المعهودة الجميع إلى امام الأمر الواقع ليأتي الفرج المنشود.

الديموقراطية التوافقية، فرضت واقعاً فريداً يمكن تلخيصه بعدم إجراء انتخابات نيابية من دون توافق، وعدم تشكيل حكومة من دون توافق، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية من دون توافق. هذه ميزات الديموقراطية اللبنانية الفريدة من نوعها.
هنيئاً لدول العالم بلبنان، وبديموقراطيته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل