#adsense

عون و«حزب الله»: خلاف موضعي أو تموضع استراتيجي

حجم الخط

 

في المعلومات، لا التحليل، أنّ «حزب الله» وضع جهداً استثنائيّاً لإقناع النائب ميشال عون بالتصويت للتمديد، وغير صحيح أنّ كلّ همّ «الحزب» تأمين الأكثرية النيابية لهذا الخيار بمعزل عن معارضة هذا الطرف أو ذاك، لأنّه كان يسعى أوّلاً للإجماع على هذا الخيار، وبحاجة ثانياً لإظهار أنّه وحلفاءَه في المفترقات المصيرية صوت واحد.

حاول «حزب الله» جاهداً إقناع عون أنّ الاستثمار على «الأرثوذكسي» مسيحيّاً أقصى حدّه الحفاظ على حجمه الانتخابي الحالي، وأنّ أيّ مفاجآت لصالحه لن تصل إلى حد الحصول على الأكثرية من دون الحاجة إلى النائب وليد جنبلاط، وأنّ التمديد يشكّل مصلحة استراتيجية للحزب للأسباب الآتية:

أوّلاً، تحييد الساحة اللبنانية عن التجاذبات، هذا التحييد الذي وصل إلى حدّ دعوة السيّد حسن نصرالله أخصامه إلى القتال وإيّاهم على الساحة السورية لا اللبنانية، فإذا بحليفه عون يريد عبر الانتخابات نقل «الخلاف السوري» إلى لبنان في خطوة تتناقض مع توجّهات الحزب الذي يعتبر، وفق معادلته الجديدة، أنّ مفتاح حكم لبنان يتوقف على انتصاره في سوريا، فيما هزيمته السورية لا تعوّضها الانتخابات في لبنان ولا من يحزنون.

ثانياً، يدير الحزب معركة مصيرية في سوريا، ويضع كلّ إمكاناته العسكرية والأمنية واللوجستية في خدمتها، وبالتالي في خضمّ هذه الحرب الشرسة التي يخوضها ويسقط له يوميّاً العديد من الضحايا، لا يرى أنّ الوقت مناسب للترف السياسي والانتخابي تحقيقاً لمكاسب شخصية لحليفه العونيّ لا تقدّم ولا تؤخّر في الخريطة السياسية اللبنانية.

ثالثاً، يخشى الحزب من أن تؤدي الحملات الانتخابية التي ستُخاض على عنوان قتاله السوري إلى مضاعفة التعبئة السنّية ضدّه وانفلات الوضع في لبنان، الأمر الذي يريد تجنّبه مهما كان الثمن، وذلك ليس فقط للتفرّغ سوريّاً، إنّما لأنه لن يتمكّن من إدارة جبهتين في آن واحد، وفي ظلّ خشيته من دخول بعض الأطراف على خط الانتخابات لفتح جبهة هدفها الأساس إلهاؤه عن مهمّته الأساسية. وإذا كان الحزب يتفهّم عدم قدرة عون على تغطيته سوريّاً، إلّا أنّه لا يتفهّم في المقابل أن يصل عون إلى حدّ التناقض معه في مسألة استراتيجية بغية الكسب الانتخابي لانتخابات لم ولن تحصل قبل انتهاء الأزمة السورية. وإذا كان الحزب بحاجة للغطاء المسيحي خصوصاً في هذه المرحلة، فإنّ هذا لا يعني أنّ موقف عون لن يترك أثاراً سلبية على العلاقة بين الطرفين.

ولكن ماذا عن الحسابات العونية التي يمكن تلخيصها بالآتي:

أ- إصرار عون على الانتخابات نابع من رؤيته للتوازنات القائمة داخل المجلس الحالي والتي لا تتناسب مع تطلّعاته، وتحديداً لجهة الانتخابات الرئاسية، حيث إنّ المجلس الحالي سيكون أمام احتمالين: إمّا التوافق على انتخاب شخصية من نفس مواصفات الرئيس، وإمّا تفريغ الرئاسة الأولى، وبالتالي انعدام حظوظه نهائيّاً.

ب- يعتبر عون أنّ الانتخابات في موعدها تتيح له تثبيت تمثيله المسيحي، وربّما توسيع انتشاره النيابي نحو الشمال والبقاع وبيروت مستفيداً من «الموجة الأرثوذكسية»، الأمر الذي يجعله رقماً صعباً في الانتخابات الرئاسية عبر استعادة شعار أنّ الأكثر تمثيلاً هو الأَولى بالرئاسة الأولى على غرار القاعدة المعمول بها لدى السنّة والشيعة في الرئاستين الثانية والثالثة.

ج- «التوافق الوطني» على التمديد لن ينسحب، على الأرجح، على التأليف لتعذّر تشكيل حكومة يشارك فيها « حزب الله»، الأمر الذي يعني، بعُرف عون، أنّ الحزب فوّت عليه انتخابات تعيد تعويم وضعه المسيحي، ومشاركة وازنة في الحكومة.

د- عدم إجراء الانتخابات وعدم التأليف في مقابل مواصلة «حزب الله» قتاله السوري، يعني أنّ الحزب هو الذي بات في موقع الحاجة لغطاء عون، فيما أصبحت تغطية «التيار» لـ»الحزب» مكلفة جدّاً ومن دون مقابل نيابيّ وحكومي.

وإذا كان كلّ ما تقدّم صحيحاً، إلّا أنّ المسألة الأهم قد تكون أنّ عون اتّخذ أو في صدد اتّخاذ قرار استراتيجيّ بفكّ تحالفه مع «حزب الله»، في محاولة لتجنّب تداعيات معركة الحزب السورية التي يرى فيها عون، ضمناً، أنّها ستكون كارثية على حليفه، ولن يقوى على تحمّل نتائجها وتغطية آثارها، فقرّر التحجّج بالتمديد لفكّ التحالف قبل فوات الأوان.

ومن هنا يبدو أنّ عون يرغب في العودة إلى الوضعية السياسية التي كان عليها في العام 2005 على أثر رفضه الانضمام إلى التحالف الرباعي، حيث وضع نفسه خارج 8 و14 آذار، مع فارق نجاحه آنذاك في استثمار هذا التموضع نتيجه «مواقفه السيادية» وحصول الانتخابات، فيما الانتخابات اليوم مؤجّلة وتموضعه تنظيميّ لا سياسي، وحتى لو بدّل في مواقفه فلن يكون هذا التبديل في مصلحته شعبيّاً.

فعون فوّت على نفسه فرصة تاريخية في العام 2005، إذ لو استمرّ خارج 8 و14 آذار ولم يوقّع مع «حزب الله» وثيقة التفاهم كان شكّل «بيضة قبّان» اللعبة السياسية، هذا الدور الذي آل لاحقاً إلى النائب وليد جنبلاط، فضلاً عن أنّه كان حجز لشخصه مقعد الرئاسة الأولى، كون وصول أيّ شخصية من 8 أو 14 يبقى مستبعداً إلّا في حال نجاح أحد المحورين في تحقيق انتصار على الآخر.

ولكن ما كان يصحّ في العام 2005 لم يعد يصحّ اليوم، ليس لأنّ التقاطع معه على «القطعة» غير ممكن، إنّما لأنّه ذهب بعيداً في خصوماته وعداواته، كما أنّ تجربة السنوات الثماني المنصرمة لا تشجّع على الذهاب معه أيضاً بعيداً نحو انتخابه رئيساً.

وإذا كان التمديد سيُفقد عون كلّ أوراقه التفاوضية وطموحاته السلطوية، فإنّ تغطيته لقتال «حزب الله» في سوريا ستبدّد ما تبقّى من رصيده الذي تآكل منذ اللحظة الأولى التي قرّر فيها تغطية هذا السلاح في الداخل اللبناني، خصوصاً أنّ ما كان يصحّ لبنانيّاً لا ينسحب سوريّاً، وبالتالي كلّ هذه العوامل ستدفعه إلى إعادة صياغة تموضعه الاستراتيجي في محاولة لإخراج نفسه من المواجهة، ليس فقط مع نصف اللبنانيين، إنّما مع كلّ العرب وكلّ المجتمع الدولي.

وعليه، الخلاف بين عون و»حزب الله» ليس تكتيّاً، وموقف عون الرافض للتمديد غير قابل للصرف الانتخابي في ظلّ انتخابات معلّقة، وخروجه من المحور السوري-الإيراني لا يعني دخوله في المحور الآخر، لأنّه بسلوكه قطع كلّ جسور الثقة والتواصل مع الداخل والخارج.

وفي موازاة كلّ هذا المشهد، تبدو 14 آذار التي تجاوزت أزمة «الأرثوذكسي» منسجمة مع نفسها بتغطية التمديد، ليس فقط رفضاً للستّين الذي يعيد إنتاج موازين القوى نفسها، إنّما رفضاً أيضاً للمسرحية الديموقراطية المُسمّاة انتخابات نيابية والتي تحوّلت وظيفتها إلى تبييض صورة سلاح «حزب الله» وشرعنته ديموقراطيّاً.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل