#adsense

السلاح “المرشّح الملك” على.. محادل الانتخاب

حجم الخط

 

لا تستقيم الحياة السياسية في لبنان ولن تستقيم، ما دام هناك فريق مسلح يتحكّم باللعبة الداخلية، ويخضع كل شيء لحساباته السياسية والانتخابية، التي هي حسابات خارجية لا تمتّ الى الواقع اللبناني بصلة.

حالة “حزب الله” المَرَضيّة، يجعل منها الحزب وصفة طبية يصرّ على تقديمها الى الشركاء في الوطن، الذين عليهم أن يتقبّلوها، ويتجرّعوها حتى وإن كانت سامة، لا يهمّ “حزب الله” كل الاعتراضات الداخلية والخارجية على أدائه السياسي والعسكري، ولا يرى فيها إلا فقاقيع صابون، ما دام يطبّق خارطة طريق رسمت له في طهران، تخدم سياسته التكتيكية ومشروعه الإستراتيجي، وهو يعلم أنه يرسم فوارق كبيرة ويعمّق هوّة التباعد بينه وبين باقي المكونات السياسية الأخرى، طبعاً ما عدا ملحقاته ومن يعتاش على فتاته وفتات مائدة الجمهورية الإيرانية في لبنان.

ولعل آخر وصفات الحزب هي الخطوط الحمر التي رسمها أمام تشكيل الحكومة أولاً، وأمام القانون الانتخابي ثانياً، وقطع الطريق على إجراء الانتخابات وفق أي قانون ثالثاً، بعدما أوجد الأرضية الأمنية الملائمة لنسف هذا الاستحقاق الديمقراطي، وأخرج من فوهة بنادقه “القوة القاهرة” للتمديد للمجلس، عبر التفجير الأمني في طرابلس والتوترات الأمنية في صيدا، والرسائل الصاروخية سواء أوصلها هو أو سبّب بإيصالها الى أطراف الضاحية الجنوبية. وذلك كله لأن أولويته ليست الديمقراطية والانتخابات ولا احترام الاستحقاقات الدستورية ولا تداول السلطة التي تنبثق عن إرادة الشعب في صناديق الانتخاب، فأولويته الآن في التفرغ لمناصرة حليفه بشار الأسد والاشتراك معه، أو القيام بالنيابة عنه في قتل الشعب السوري، ليتحوّل رأس حربة في مذابح القصير وريف دمشق وغيرها من المناطق السورية.

هذه الحالة التي عممها “حزب الله” على كل شيء في لبنان كانت ترجمتها واضحة جداً في الترشيحات الانتخابية التي قدّمت على مدى أسبوع، وأظهرت أن لا صوت يعلو صوت بندقية الحزب، فلا أحد يجرؤ على مقارعة مرشحيه ونوابه في مناطق نفوذه في الجنوب والبقاع، وتكفي مراجعة سريعة لأسماء المرشحين في مناطق نفوذه لا سيما في دوائر صور، النبطية، مرجعيون، بنت جبيل، بعلبك الهرمل، وامتداداً الى بعبدا عاليه، لتؤشر بوضوح، إلى أن ثمة غياباً شبه تام للمرشحين المنافسين للحزب في هذه الدوائر، ليصبح مرشحوه ومرشحو حلفائه بمعظمهم، شبه فائزين بالتزكية، في ما لو أبطل المجلس الدستوري قانون التمديد للمجلس النيابي المنتظر إقراره اليوم، وجرت الانتخابات وفق القانون النافذ.

لم تكن ترشيحات دائرة بنت جبيل إلا نموذجاً صارخاً عن انتخابات سطوة السلاح، حيث انحسرت الترشيحات بالنواب الحاليين الثلاثة حسن فضل الله، أيوب حميد وعلي بزي، إضافة الى مرشّح رابع، إما جازف في عملية ترشّح شبه إنتحارية، وإما ترشّح برضى الحزب كرديف للمقايضة عليه في دوائر أخرى، وهذا ما يسري أيضاً على دائرة قرى صيدا في الجنوب، التي استقرت على أسماء الرئيس نبيه بري والنائبين علي عسيران وميشال موسى، مع خرق لاسمين من خارج المنظومة، وهما رياض الأسعد المعارض تاريخياً للحزب وخليل شداد غير المعروف انتماؤه السياسي، والحال نفسه يسري على دائرة صور، التي عاود فيها الحزب ترشيح نوابه الحاليين وكذلك حركة “أمل” وهم محمد فنيش، نواف الموسوي، عبد المجيد صالح وعلي خريس، والى جانبهم أربعة مرشحين آخرين، وهذا التدني في عدد المرشحين في تلك الدوائر، مرده الى اليأس من أي ممارسة أو منافسة ديمقراطية، في ظل وجود قوى أمر واقع تقطع الطريق على من يحاول منافستها في هذا المعترك الديمقراطي، والأهم من ذلك هو الغياب شبه التام لمرشحين تقليديين في هذه المناطق، لم يعد ثمة أمل برأيهم لممارسة ديمقراطية ما دامت سطوة السلاح هي من ترشّح ومن تأتي بالنواب ومن تحاصر الخصوم وتلاحقهم حتى في مضاجعهم.

هذا الواقع يؤكد المؤكد أن سلاح “حزب الله” هو الذي يفرض المرشحين، وهو الذي يحظّر على المنافسين مقارعته في معاقله ومناطق نفوذه، وهو الذي يأتي بالنواب سواء كانوا محازبين أو حلفاء أو أتباع أو ملحقين. وهو الذي يؤدب الخارجين عن إرادته والمعترضين على دوره ومشروعه، وهو أيضاً الذي يحكم إقفال أفواه الصارخين في وجهه، سواء كانوا من أبناء طائفته المخطوفة أو من الطوائف الأخرى المأسورة في سجونه الكبيرة.

من يطلع على لوائح المرشحين يخرج بقراءة مخيفة مؤداها أن السلاح هو الذي يحكم لعبة الترشيحات، صحيح أن هذا السلاح لا يمنع أي معارض من الحضور الى وزارة الداخلية ليتقدم بترشيحه، لكن المقلق أن هذا المرشح لا يجرؤ على تعليق صورة له ليس في دائرته الانتخابية، بل حتى في بلدته، وربما على باب منزله، لأن الجلادين حاضرون لتأديبه وإهانته، ورجمه، وإذا كانت التجارب في الدورات الانتخابية السابقة كافية للتذكير بما تعرض له المرشحون المعارضون لسياسة “حزب الله”، إما بإحراق سياراتهم، أو برشقهم بالحجارة من قبل صبية الأزقة والشوارع المتفرغين لهذه المهمات، فإن أي تجربة في هذه المرحلة صعبة إن لم تكن مستحيلة، بعدما أسقط “حزب الله” القناع السياسي الذي كان يخفي وجهه الحقيقي خلفه. وبعدما جاهر بأن كل من يخالفه الرأي حتى في السياسة يصبح خائناً وعميلاً اسرائيلياً وطاعناً للمقاومة في ظهرها، ويقيم عليه الحد بلا تهاون أو تردد. والمثال الصارخ على ذلك ما تعرض له بالأمس الكاتب رامي عليق بالكمين المسلّح الذي تعرض له عند مدخل بلدته يحمر، وقبلها إحراق منزله ومكتبه ومنعه حتى من زيارة مسقط رأسه، وهذا ينسحب أيضاً على الناشطة مروى عليق التي لاقت المصير نفسه لمجرد أن سألت “حزب الله” على “الفايسبوك” من فوّضه لقتل الشعب السوري وباسم أية قضية أو أي واجب جهادي؟

إذا كان “حزب الله” لا يتردد في تنفيذ سياسته الدموية القائمة على محاربة خصومه، وخصوم حليفه بشار الأسد في القصير وسائر المناطق السورية، فماذا سيكون حال من يتجاسر على مقارعته في لبنان؟ خصوصاً في مناطق نفوذه التي حوّلها الى مربعات أمنية مقفلة وعصية على الاختراق، لا سيما في مرحلة يخوض فيها حرباً وجودية برأيه مستعيراً شعارات “نكون أو لا نكون” البالية، وليدخل صراع حياة أو موت، ليس له كفصيل مسلح، إنما للمشروع الذي تأسس “حزب الله” من أجله، وهو المشروع الإيراني الهادف الى السيطرة على المنطقة، والذي اتخذ من المقاومة ومواجهة اسرائيل شعاراً يمكّنه من مد نفوذه بدءاً من طهران، الى العراق، فسوريا ولبنان وفلسطين وصولاً إلى اليمن ومصر وبعدها بلغاريا وأميركا الجنوبية.

الخلاصة التي لا بد من الركون اليها، تفيد بأن لا حياة سياسية في لبنان ولا ديموقراطية، وحتى لا تعددية، بوجود هيمنة السلاح المتفلًت من كل الضوابط، السلاح الخارج عن سلطة الدولة وشرعيتها، السلاح الإيراني الهوى والهوية، السلاح الجاهز دائماً للإيجار في معارك داخلية وإقليمية، السلاح الذي سيكون في نهاية المطاف وبالاً ليس على حامله والممسك بزناده فحسب، بل على لبنان عموماً وبالأخص على الطائفة الشيعية المخطوفة من تجار الشعارات البالية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل