رسمت تطورات اليوميْن الاخيريْن في لبنان ملامح تسوية سياسية داخليّة قد لا تكون جهات خارجية مؤثرة في الواقع اللبناني بعيدة عنها من اجل تجنيب لبنان كأس انفجار امني وصلت المخاوف منه إلى ذروتها في الآونة الأخيرة.
ففي حين يستعدّ البرلمان اللبناني للتصويت في جلسة يعقدها بعد ظهر اليوم على التمديد لولايته الحالية مدة سنة وخمسة اشهر اضافية، عكست صورة الاحتشاد السياسي وراء هذه الخطوة مشهداً داخلياً شبيهاً بتجارب سابقة كمثل تسوية الدوحة عام 2008 او انتخاب الرئيس ميشال سليمان وحتى اخيراً لدى تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل الحكومة الجديدة في نيسان الماضي. وهو مشهد تسوية سياسية اضطرارية انخرط فيها معظم الافرقاء اللبنانيين، بدليل ان مشروع التمديد سيحظى وفق التقديرات المسبقة باكثرية لا تقل عن 105 نواب من أصل 128 من الكتل النيابية لقوى 14 آذار و8 آذار والكتل الوسطية وأبرزها كتلة النائب وليد جنبلاط. ولن يشذّ عن هذا الاصطفاف سوى العماد ميشال عون ونواب تياره الذين سيقاطعون الجلسة، في حين ان نواباً من حلفائه في تكتل “التغيير والاصلاح” من كتل “الطاشناق” والنائب سليمان فرنجية وحتى النائب الكسرواني نعمة الله ابي نصر سيحضرون الجلسة ويصوّتون مع التمديد.
وتقول اوساط نيابية بارزة لـ”الراي” الكويتية، انه “رغم اختيار عون المضي نحو “لعبته” المفضلة في التمايز حتى عن حلفائه، فان الامر يكتسب هذه المرة طابعاً مختلفاً عن اي تجربة ماضية اذ يصعب توظيف هذا التمايز شعبياً على الساحة المسيحية، لان الانتخابات لن تجرى الا في نهاية صيف 2014، كما سيكون للتباين الحاصل بين عون وحلفائه ارتدادات سلبية على معسكر 8 اذار وسط كلام عن امكان توسيع كتلة النائب سليمان فرنجية بعد التمديد بانضمام نواب محسوبين على عون اليها”.
وتضيف الأوساط ان “هناك تمييزاً لدى القوى السياسية بين اتجاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى الطعن بقانون التمديد وتلويح عون وكتلته بالطعن ايضاً رغم ما كانت مصادر “حزب الله” أبلغته إلى “الراي” من ان “زعيم “التيار الحر” تعهّد عدم الطعن بالتمديد”.
فبحسب الاوساط النيابية البارزة، تبدو خطوة سليمان منتظرة ومبدئية وطبيعية، علماً ان رئيس الجمهورية وضع موقفه باللجوء إلى المجلس الدستوري في سياق التحقق من دستورية هذا التمديد. اما عون من خلال معارضته التمديد، فيبدو واضحاً انه يريد ان يختط لنفسه اطاراً متمايزاً يتيح لالمضي في المزايدة على القوى المسيحية في 14 آذار من جهة ومحاولة تحصيل مكاسب جديدة يبدأ موسمها بالحكومة الجديدة، التي سيُفتح ملف تشكيلها فور الانتهاء من التمديد للبرلمان، ولا تنتهي حدودها إلا عند آفاق معركة رئاسة الجمهورية التي سيحلّ استحقاقها بعد أقل من سنة.
على ان الاوساط نفسها كشفت ان “هناك عملاً دؤوباً حصل في الايام الاخيرة وادى، إلى جانب استكمال الموافقات السياسية على التمديد، إلى تحصين قانون التمديد بكل ما يمكن الحؤول دون اخذ المجلس الدستوري بالطعن الذي سيقدمه الرئيس سليمان وربما عون”، وقالت ان “ثمة قناعة تولدت لدى معظم الكتل النيابية بأن الاسباب الموجبة للتمديد سواء في الاطار القانوني او في اطار الاستناد إلى الظروف الأمنية الاستثنائية التي تملي التمديد ستكون حجة دامغة يصعب على المجلس الدستوري دحضها وتالياً الطعن بها، فضلاً عن ان امكان اجراء الانتخابات في حال قبول الطعن بالتمديد سيكون محفوفاً بأخطار لا يمكن المجلس الدستوري تجاهلها”.
وتقول الاوساط انه “لا يبدو ان هناك مخاوف جدية من ردود فعل دولية سلبية وقاسية على التمديد لان غالبية المؤشرات تدل على ان الاولوية القصوى لدى الدول في شأن لبنان باتت تتمحور حول الاستقرار الأمني والحفاظ عليه، كما ان المخاوف التي اتسعت أخيراً من الاضطرابات الأمنية وامكان حصول فراغ دستوري في لبنان سيجعل الردود الدولية على التمديد مخففة ومعتدلة، ولكن ذلك لن يقلل أهمية رصد المواقف الدولية من استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة بفعل انفجار مسألة تورط “حزب الله” في الصراع السوري، وقد يكون هذا الاستحقاق اشد تعقيداً من ملف التمديد وسط تصاعد الاتجاهات إلى إبعاد الحزب عن الحكومة وما يمكن ان يتركه من انعكاسات وشد حبال وربما مفاجآت جديدة”، علماً ان اوساطاً سياسية تختصر معضلة “حزب الله” والحكومة بمعادلة: “لا يمكن تشكيل حكومة من دون الحزب ولا يمكن تشكيلها معه”.