#adsense

تعديلات في إنتاج الطاقة عالمياً واستهلاكها

حجم الخط

حرب تشرين 1973 شهدت عبور القوات المصرية قناة السويس وملاحقتها فلول الجيش الإسرائيلي الذي تخلى عن مواقعه على الامتداد الشرقي للقناة، كما حقق السوريون اختراقاً للقوات الإسرائيلية في الجولان وسارعت اسرائيل الى طلب المعونة الاميركية عسكرياً.

الاميركيون، وبتحفيز من هنري كيسينجر الذي اعتبر ان المقياس الاستراتيجي انقلب لمصلحة القوات العربية، وفروا لإسرائيل الأسلحة والذخائر بكثافة بواسطة جسر جوي امن الامدادات من الاحتياط الاستراتيجي العسكري في اوروبا الغربية، فحقق الإسرائيليون نتيجة هذا الدعم الكثيف اختراقاً في الدفرسوار على الجانب الغربي من قناة السويس، وبدأت مفاوضات وقف القتال التي تولاها كيسينجر مع السادات ومع حافظ الاسد، وقد تحققت اتفاقات على هذا الصعيد عام 1974.

عندما بادر الاميركيون الى دعم اسرائيل على النمو المشار اليه وحالوا دون خسارتها الحرب بصورة مطلقة، اقرت الدول العربية النفطية وبمبادرة من الملك فيصل بن عبد العزيز وقف تصدير النفط الى الولايات المتحدة وهولندا وخفض الانتاج تدريجاً بنسبة 5 في المئة شهرياً يمكن ان ترتفع الى نسبة 25 في المئة.

قفزت اسعار النفط بسرعة صاروخية من 2،2 دولارين للبرميل الى 11،2 دولار للبرميل، وصارت هناك في الولايات المتحدة وبعض البلدان الاوروبية طوابير من السائقين الذين ينتظرون دورهم للحصول على البنزين او المازوت من شركات التوزيع العالمية.

ارتفاع اسعار النفط وانخفاض كميات الانتاج تسببا بانتشار حال من الذعر، خصوصا ان فصل الشتاء كان قد اقبل حين ترتفع حاجات التدفئة ومعدلات الاستهلاك. ونتيجة مشاورات مكثفة بين هنري كيسينجر والرئيس الفرنسي في حينه جيسكار – ديستان، الذي كان درس على يدي كيسينجر في هارفرد، تأسست وكالة الطاقة الدولية، وكان الهدف الواضح لهذه الوكالة تشجيع ضبط استهلاك النفط، وزيادة انتاج مصادر الطاقة البديلة ولاسيما منها الطاقة النووية، وتنويع مصادر الانتاج بحيث ينخفض الاعتماد الكلي على نفط الشرق الاوسط.

الا ان جهود تنويع مصادر الطاقة لم تثمر سوى على صعيدين. من جهة اولى ارتفع انتاج حقول بحر الشمال، واوائل الثمانينات انضمت نروج الى صف الدول المنتجة للنفط كما توضحت كميات الغاز الضخمة في حقل غرونغن في هولندا الذي يطور بسرعة محددة من السلطات الهولندية ولاستعمالات اساسية. ومن جهة ثانية صار هناك تحول بطيء نحو احلال الغاز محل مشتقات النفط في توليد الكهرباء، خصوصا ان التركيز على الطاقة النووية تراجع بسبب ارتفاع تكاليف المفاعلات والفترة الطويلة المطلوبة لانجاز هذه المفاعلات، وتفردت فرنسا بالنجاح في هذا المضمار لان الرئيس جيسكار – ديستان انجز اتفاقات ضخمة لاستيراد الاورانيوم باسعار بخسة من افريقيا.

اضافة الى ضآلة مصادر الطاقة البديلة، اسفرت اكتشافات الغاز في ايران ومن بعد قطر عن اثراء منطقة الشرق الاوسط بكميات من الغاز تزيد على 50 في المئة من الاحتياط العالمي اوائل الثمانينات. وثابرت روسيا على توسيع انتاجها من الغاز، ومنذ التسعينات على زيادة صادراتها الى اوروبا حتى باتت المصدر الأساسي لـ30 في المئة من استهلاك الغاز في البلدان الاوروبية.
في المقابل، كانت الولايات المتحدة السوق الاكبر لاستهلاك النفط والغاز. ومنذ أواسط السبعينات ارتفعت حصة المستوردات في الاستهلاك الاميركي. ومنذ رئاسة كارتر والى تاريخ قريب كانت السلطات الاميركية تؤكد ضرورة الاكتفاء الذاتي في استهلاك الطاقة من المصادر الذاتية.

بفضل اكتشافات الغاز في صخور الطفال كما النفط واكتشافات النفط في الرمال القارية في كندا، حققت الولايات المتحدة كفاية ذاتية في مجال استخدام الغاز الذي صار يشكل نسبة 30 في المئة من استهلاك الطاقة اجمالاً وسوف تبدأ عمليات تصدير الغاز السائل خلال خمس سنوات، كما خفضت استيرادها من النفط. واستنادا الى خبراء الطاقة في الولايات المتحدة، قد تكتفي من انتاجها النفطي ذاتياً سنة 2020 وربما باشرت تصدير النفط كما الغاز بعد ذلك.

انقلاب صورة توافر مصادر الطاقة لا ينحصر بالكميات بل هو ايضاً يتعلق بالتكاليف والاسعار. فأسعار الغاز في الولايات المتحدة هي على مستوى 35 في المئة مما هي في تسليمات الغاز السائل لاوروبا الغربية وعلى مستوى 25 في المئة من اسعار الغاز السائل المصدر الى اليابان. واليابان تستهلك الغاز لانها جمدت انتاج الكهرباء من المفاعلات النووية بعد تأثيرات التسونامي التي زعزعت احدى كبرى المحطات النووية منذ سنتين.

المعلقون الاميركيون منذ اواخر الصيف المنصرم يؤكدون ان الولايات المتحدة حققت الاكتفاء الذاتي في مجال الغاز وان حصة الغاز في الاستهلاك سترتفع الى نسبة 35 في المئة وان الصناعات التي تستخدم الغاز حققت وفورات كبيرة ومنها صناعة الحديد والصلب، وصناعة السيارات، ومعامل انتاج الكهرباء، ومصانع البتروكيماويات، والاسمدة الخ… وزيادة انتاج الغاز والنفط حققت زيادة في فرص العمل ساهمت في المقام الاول في انخفاض معدل البطالة من 8 في المئة في تاريخ انتخاب الرئيس اوباما لولاية ثانية حتى تاريخه.

ان الرأي السائد لدى الاميركيين هو ان اهمية الشرق الاوسط بالنسبة الى صادرات النفط والغاز ستنخفض وان اعتماد الولايات المتحدة على استيراد النفط من الشرق الاوسط والذي يوازي حالياً 18 في المئة فقط سينخفض خلال ثلاث سنوات الى ما دون 10 في المئة وربما اقل.

في الوقت ذاته يرى الاميركيون ان اسعار الغاز ستنخفض عالمياً، الامر الذي يفيدهم استراتيجياً لان الانخفاض يطاول مداخيل روسيا، وهذا امر بدأ يظهر من خفض اسعار تسليمات الروس لألمانيا وفرنسا وايطاليا بما يساوي 12-14 مليار اورو في 2012. كما ان انخفاض الاسعار سيؤثر في توجهات تطوير الغاز الايراني، وسوف يؤثر في مداخيل قطر ولو بنسبة 20 في المئة بدءا من سنة 2015-2016.

صادرات النفط والغاز من الشرق الاوسط سوف تتركز على اسواق الصين، وكوريا الجنوبية، والهند، واليابان وعلى سبيل المثال مستوردات الصين، ثاني اكبر اقتصاد في العالم، من النفط في 2012 كانت بنسبة 55 في المئة من الشرق الاوسط و25 في المئة من افريقيا. ومستوردات اليابان، ثالث اكبر اقتصاد في العالم، كانت بنسبة 87 في المئة من الشرق الاوسط، ونسبة استيراد اليابان الغاز من الشرق الاوسط لا تقل عن 50 في المئة في حين ان بقية المستوردات تتوافر بصورة رئيسية من اندونيسيا.

حيث ان صادرات منتجات الطاقة تمثل الدخل الرئيسي لدول الشرق الاوسط المنتجة للنفط يبدو بوضوح ان مستقبل التدفقات النقدية سيرتهن بتطورات الصين، واليابان، والهند، وكوريا الجنوبية. والواقع ان هذه الصورة، الا على مستوى الاسعار، غير مقلقة لان هذه الدول، ولاسيما منها اليابان والصين وكوريا، حققت ارتفاعاً في معدلات الدخل، وزيادة في اعداد فئات ذوي الدخل المتوسط تتجاوز بكثير نسبة اعداد الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة. فالصين وحدها صار عدد ذوي الدخل المتوسط فيها يفوق الـ600 مليون صيني، مقابل 240 مليون اميركي يتمتعون بمستويات دخل متوسطة. وللذكر فقط، تجاوزت مبيعات السيارات في الصين مبيعات السيارات في الولايات المتحدة في العامين المنصرمين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل