قبل اليوم، نادراً ما يواجه “حزب الله” اعتراضاً من داخل طائفته على أجندته المقاومة. فقد فرضت التحوّلات القائمة في المنطقة منذ سنتين ونيّف، وتحديداً بعد اندلاع الثورة في سوريا واعتراف الأمين العام للحزب بالانخراط في الصراع الدائر في الداخل السوري، تحوّلات وتغييرات أقلّ ما يقال فيها بأنها جريئة وأكثر ما يقال فيها بأنها مخاطرة تعرّض حياة المعترض على تدخّل الحزب في سوريا لخطر القتل…
إذاً فهي جرأة خطيرة لدرجة التهديد بالقتل، لكن في المقابل، فإن الجرأة الإيجابية التي تواجه بالسلبية تعبّر في الواقع عن ثقة المعارض بنفسه وبأنه بات ينظر الى التحوّلات من منظار وطني لبناني ينمّ عن وعي لخطورة المرحلة التي يزجّ بها “حزب الله” لبنان. شيعة بالأمس القريب كانوا داعمين لمقاومة “حزب الله” في الجنوب لمواجهة العدو الإسرائيلي، تحوّلوا الى منتقدين لتدخل الحزب في سوريا وارتفعت أصواتهم بعد أحداث القصير، ولأنهم يدافعون عن الإنسان في سوريا ويحاولون حماية لبنان الوطن من الأخطار الداهمة، فقد كان متنفسهم الأول والأسهل صفحة الفايسبوك الخاصة بكل معارض شيعي.
هذا التحوّل قدّر له أن يكون مقموعاً لأنه انطلق من داخل الحزب نفسه، فالحزب يعيش خلافات داخلية بسبب الحرب في سوريا، وهناك قيادات داخل الحزب تعارض الأمر خصوصاً مع تزايد عدد القتلى. وظهرت الاعتراضات الشيعية من شخصيات دينية وكتاب ومراهقين الى العلن بعدما تدفقت جثث قتلى “حزب الله” في الأشهر الأخيرة على لبنان، وشُيّع عدد منها في العلن، بينما دُفن البعض الآخر في السر.
من أجل هؤلاء الشهداء ومن أجل الأمهات الممنوعات من التعبير عن رأيهن في الإعلام رفضاً لقتل فلذات أكبادهن ومن أجل الآباء الذين تتوقّف قلوبهم عن الخفقان حين “يبارك” لهم عناصر الحزب “استشهاد” أولادهم في القصير… يتحمّل المعارضون اليوم حرق منازلهم، تهديد أقربائهم أو احتجازهم، منعهم من دخول قراهم وتصل “مواصيل” الممانعين الى تهديد المعارضين بالقتل علناً بإطلاق النار!
قد يكون سهلاً، بالنسبة الى غالبية اللبنانيين، إبداء الرأي على خلفية أي موضوع، إلا أن التهديد على إثر إبداء الرأي قد تأتي نتائجه وخيمة على المعارض وأهله. غير أن البيئة اللبنانية، المعارضة لقتال “حزب الله” في القصير، بمختلف طوائفها وانتماءاتها احتضنت المعارضين الشيعة وأمّنت لهم الدعم المعنوي من خلال التعليقات التي ينشرونها على صفحات الفايسبوك.
فقد انهالت مثلاً طلبات الصداقة مع الكاتب رامي علّيق، وابنة عمّه مروى وحصدت الشخصيات الدينية الشيعية المعارضة تأييداً واسعاً لمواقفها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فليس من السهل أبداً على أشخاص من الطائفة الشيعية الشريكة الوقوف مع قلّة في مواجهة حزب مسلّح يعدّ 70 ألف مقاتل على رأسه شخصية شيعية سياسية ودينية نافذة تملك ترسانة عسكرية! فالعلامة السيد علي الأمين مثلاً ينشر مواقفه على صفحته منتقداً “أفعال “حزب الله” وانخراطه في قتال سوريا”، معتبراً أن “زج الشباب في المعارك التي تدور على الأرض السورية فيها خسارة الدنيا والآخرة”. ونشرت صفحة “محبو الشيخ صبحي الطفيلي” شعاراً رُفع في اعتصام ساحة الشهداء “لإدانة مشاركة حزب الله في قتل السوريين والتضامن مع القصير”، وكتب “ليت للستّ زينب ضريحاً في فلسطين”.
وسبقهما سيدان شيعيان آخران هما محمد الأمين وهاني فحص، اللذان وقّعا بياناً في العام الماضي ندّدا فيه بجرائم الأسد وضد دعمه من أي جانب، وتحديداً حزب الله، وأعلنا وقوفهما إلى جانب الشعب السوري. وجاء الرد على هذا الموقف الأخلاقي بأن شنت صحافة الأسد ونصر الله حملة ضدهما، وسمتهما شيعة الوهابية! وبالانتقال الى التعليقات التي يكتبها اللبنانيون على مثل هذه المواقف، فقد كتب أحد اللبنانيين الشيعة “لا يجرؤ نصر الله على معارضة قرار إيران بالقتال في سوريا لأنها قد تتخلّص منه”. ويعلّق آخر “المجد للشيعة الأحرار”.
وشكّل الفايسبوك المتنفس الوحيد لعائلات شيعية كثيرة، لم تستخدم أسماءها الحقيقية لتعبّر عن رفضها مشاركة “حزب الله” في الاقتتال السوري السوري ووقوف الحزب إلى جانب النظام، ودعت هذه العائلات عبر فايسبوك “إلى عدم تجاوب الشيعة اللبنانيين مع دعوات “حزب الله” للمشاركة في القتال على أرض سوريا، لدرء الفتنة الطائفية التي يتجاهلها الحزب لصالح إيران”.
ومعروف أن “التيار الشيعي الحر” في لبنان، وهو “حركة سياسية شيعية لبنانية اعتدالية” كما يعرّف عن نفسه على صفحته الخاصة على الفايسبوك، معارض لتدخل الحزب في سوريا وقد حملت صفحته الخاصة الكثير من شكاوى المواطنين الشيعة ومنهم من اعترف بأنه مهدد بالقتل. على هذه الصفحة كتب أحدهم “عاجل، حزب الله يهدد بتصفية جسدية لمعارضيه في بيروت”، مناشداً “الرؤساء الثلاثة والقضاء” لحمايته متّهماً “ميليشيات وعصابات ما يسمّى حزب الله بتهديدي بالقتل” وتابع: “التهديد لن يرهبني عن قول الحقيقة التي يجب أن تقال وتعرف وتمارس”.
وعلّق معارض آخر على الصفحة نفسها مقارناً بين تصريحين فكتب التالي “وجهان لعملة واحدة: رئيس الموساد الاسرائيلي “لن نسمح بسقوط الأسد”، أمين عام “حزب الله” “لن نسمح بسقوط الأسد”. ولفت آخر بكتابة التعليق التالي: “نحن لسنا مرتزقة بل ملح هذه الأرض وأنتم عارها وشنارها”. وتبدو متميزة صفحة حديثة النشأة خاصة بـ”شيعة لبنان مع ثوار سوريا الأبطال” كتب فيها المؤيّدون “لقد تم إنشاء هذه الصفحة لتكون صوت الشيعة في لبنان الرافض لقتل شعب أراد الحرية ولن نرضى بحمل ذنب ووزر الدماء التي تراق”.
وقد انتشرت في الآونة الأخيرة بعض الأسماء الشيعية التي حازت على تعاطف لبناني وتناقلت الصحف ووسائل الإعلام أخبارهم, وتتّبع “الفايسبوكيون” كل جديد بشأنهم وهم من الأصوات الشيعية المناهضة لـ”حزب الله” والتي تتلقى ضغوطاً وتهديدات بالقتل والتهجير من قبل عناصر الحزب في لبنان وكان آخرها تلك التي تعرض لها الكاتب رامي علّيق الذي منع من إقامة مؤتمر صحافي في مقر نقابة الصحافة اللبنانية نتيجة لتدخلات من الحزب وحلفائه، منذ أيام. ولا يخفى على أحد أن رامي كان قيادياً طالبياً شهيراً في “حزب الله” في مطلع التسعينات وترك الحزب في منتصفها إثر خلافات حادّة حول أمور تنظيمية وسياسية ودينية وفقهية، وهو يمارس نشاطاً علنياً سياسياً وإعلامياً من موقع الخصومة لنهج “حزب الله” في المسائل الداخلية والخارجية.
وأنار كتاب علّيق “طريق النحل” الذي يكشف أسراراً من داخل الحزب طريق كثيرين نحو الحرية، هو يقود حملته عبر فايسبوك كما ينشر كل التهديدات التي يتلقاها ولا يلغي على صفحته التعليقات التي تتهجّم عليه، كما أنه يضع أصدقاءه في أجواء كل المخاطر التي تواجهه. فقد قام “مجهولون” منذ فترة بإحراق منزل عائلته في بلدته يحمر الجنوبية، وتلقّى رامي تهديدات من “لواء السيدة زينب” مباشرة أو عبر قريبه هادي علّيق. ومنذ 3 أيام احتجزوا شقيقته ووالدته، وتمكن من الهرب من موت محتّم بعدما أُطلقت النار عليه عند وصوله الى مدخل بلدته يُحمر. وكتب رامي في أحد تعليقاته: “اتقوا الله وعودوا الى رشدكم”.
ومنذ أسبوع تقريباً، أعلنت الشابة مروى علّيق، وهي ابنة عمّ رامي، أنها تعاني مشاكل مع “حزب الله” نتيجة تعليق كتبته على صفحتها على الفايسبوك ينتقد “محاربة “حزب الله” في سوريا بحجة حماية مقام السيدة زينب الذي اعتبرته أقل شأناً من قتل الأطفال”، وقالت: “إنها أصبحت ممنوعة من دخول قريتها وأرضها ومنزلها”.