أدى اختيار “حزب الله” اللبناني الإحتفاظ بسلاحه في أعقاب حرب تحرير جنوب البلاد من الإحتلال العسكري الإسرائيلي، إلى تعرضه إلى هزات كثيرة كان أول نتائجها فقدان شبه الإجماع الذي انعقد حوله طوال حرب التحرير، والذي استرجع بعضه في صيف 2006، قبل أن يفقده مجددا بتفضيله العمل التكتيكي في متاهات السياسة الداخلية والخارجية، على اجتراح خطة نضال استراتيجي بعيد المدى ضمن مشروع ثوري جديد في إطار حركة مقاومة الصهيونية (حمص).
منذ سنوات يحاول الحزب فرض استراتيجية للدفاع عن لبنان تحت عنوان الشعب والجيش والمقاومة، وفي الصفحات القادمة محاولة – حرة – لتمحيص الإستراتيجية من باب الفضول.
تضمنت الكتب التي تشرح ماهية الإستراتيجية وطرائق بنائها من سن تسو الصيني إلى كارل فون كلاوزفيتز الالماني بعض المبادئ التي يعتمد عليها مشروع اقامتها ومن أهمها الحشد، وهو مبدأ كلي لا بد منه لخوض أي صراع – مصيري – ولو كان من غير طريق الحرب، فهل يحترم مشروع الحزب هذا المبدأ وكيف يطبقه عمليا؟.
يعرف المهتمون أن الإستراتيجية ُتبنى على ضوء تحديد “العدو” الذي سنواجهه بها، وكلما كان تحديد هذا العدو أقرب إلى واقعه كان بنيانها أكثر متانة. وعدونا في هذه الحال هو المشروع الصهيوني واسرائيل، وإذا تجاوزنا الإقتراب من ميزان القوى لأن مكانه ليس هنا، نفهم مما ينشر أن الحزب يريد بناء استراتيجية دفاعية حاليا على الأقل، وهو أمر له مغزى. (فصلت بين المشروع الصهيوني واسرائيل لاعتقادي أن اسرائيل هي قمة جبل الجليد العائم الذي يكمن تحت المشروع الصهيوني).
نعرف أن طرح”الحلف الثلاثي “الإستراتيجي ليس جديدا، وأن جلسات عُقدت في السنوات الماضية قدمت فيها تصورات شتى، لذلك فإنه من المنطقي أن الأفكار الواردة في السطور القادمة، ربما جاء بها طرف واحد أو أكثر من المشاركين، ومع هذا فلست أجد ما يمنع من الادلاء بدلوي في الموضوع ولو من قبيل الفضول، ألم يصل فضول بعض البشر إلى الإنفاق بسعة على آلة ارسلوها لتحليل تربة المريخ ؟ لم يجدوا اسما لها إلا الفضول، الذي يسمى في لبنان حشرية.
أفترض أن مبدأ قيام الحلف الثلاثي الإستراتيجي قد تم الإتفاق عليه واستعدتْ اطرافه الثلاثة لمباشرة عملها، فمن هي الجهة التي يحق لها الدعوة إلى الإجتماعات وتحديد أماكن الجلسات وأوقاتها، طالما أن الحلف مؤلف من أطراف متساوية ؟ هي مسألة شكلية بسيطة يؤمل ألا تسبب أي خلاف.
أفترض ايضا أن هذه النقطة الإجرائية قد ُحلت، لننتقل إلى نقطة ثانية هي مسألة تمثيل كل جناح من الأجنحة الثلاثة التي سيحلق بها طائر الحلف الإستراتيجي. ولئن كانت المقاومة سيمثلها سيدها، والجيش قائده، فمن سيمثل الشعب؟ الشعب اللبناني العنيد بأطيافه المتنوعة.
وثمة تساؤل مشروع عمن هو “الشعب” في المفهوم الإستراتيجي؟ والأمر الأكثر أهمية هو كيفية اختيار من يمثل الشعب كله إلى القيادة الإستراتيجية وضمن أية آلية؟ وإذا كان قادة الشعب أعجز من أن يتفقوا على مشروع قانون للإنتخابات، فهل سوف يتفقون على ممثلين سيكون في أيديهم اتخاذ قرار السلم أو الحرب أو غيرهما من القرارات؟
في لبنان مجلس نيابي فهل سيكون ممثل الشعب في قيادة الحلف الثلاثي؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل سيحضر أعضاؤه جميعا جلسات القيادة الإستراتيجية؟ ألا ينبغي ان تكون طوائف لبنان جميعها، المحاربة منها والمسالمة ممثلة في تلك الهيئة المهمة، أم تكتفي بلجنة الدفاع والأمن في المجلس النيابي؟
واضح أنني أغرقت السمكة في الماء العكر لهذه الأسئلة، التي اختصرتُ نصف ما عندي منها، دون أن أقتنع أن المعضلة قد ُحلت. لذلك لن اعالج في هذا السياق وضع المكونين الآخرين للحلف الثلاثي المقترح، لأن الأسئلة التي سأطرحها لن تقودني إلى أي مكان برغم كون الجيش والمقاومة كيانين محددين لكل منهما قيادة موحدة أو واحدة، لكنهما أمام دعوة واضحة – نظريا – إلى التنازل عن هذه الوحدانية ” جزئيا. أفترض أن المصاعب قد ذللت وأن الحلف الثلاثي أصبح واقعا، ألا يتبادر إلى الذهن مسألة اتخاذ القرارات، وهل سوف تتخذ بالإجماع ؟ وإذا تبلورت فيها أكثرية الثلثين فمن هي السلطة التي سوف ُتلزِم مكونات الحلف باحترام القرارات ؟ ولنفترض أن الجيش لم يوافق على اجراء معين في برنامج الإعداد الإستراتيجي الدفاعي – فما هي آثار موقفه هذا ؟ أما اذا كانت المقاومة هي غير الموافقة فهل تكون هنالك ضرورة للتساؤل عما يمكن أن يحدث؟
لا بد من أن كثيرين غيري قد لاحظوا امرا مهما في الحلف الثلاثي، هو غياب “الدولة “مفهوما مجردا متعاليا على مكوناته، فكيف يجوز في دولة واحدة مستقلة وذات سيادة تجريد كيانات من مفهومها الكلي الشامل، مفهوم الدولة أعني، ثم ُيطلب من الكيانات بعدئذ أن تكّون كيانا واحدا استراتيجيا يتولى أكثر المهام خطورة للمحافظه على استقلال الدولة وسلامة أرضها قبل أي شيء؟
هل توجد دولة شرق أوسطية بما في ذلك تركيا وإيران تبادَر إلى تفكير قياداتها الإستفادة من الإبتكار “اللبناني”؟
ليس من يجهل أن الإستراتيجية تقوم على مبدأ الحشد، حشد قوى الدولة البشرية والمادية والمعنوية والسياسية من أجل الدفاع عن كيانها، في حين تقوم الإستراتيجية المقترحة على التفكيك…! أيدخل هذا التفكيك المنهجي في باب خداع العدو؟
استغربُ كيف لا يوجد في لبنان من يأخذ بالحكمة المأثورة عن الإمام علي (السعيد من إتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه). ذلك أن الذين يريدون بناء قلعة طائرة استراتيجية ذات ثلاثة أجنحة دون مركز قيادة فيه دماغ مسيطر، يشاهدون يوميا ما يجري في بلاد “جيش ” يحتل العدو نفسه جزءا من أرضها منذ نحو نصف قرن، ويبدو أن هذا الجيش قد وضع لنفسه استراتيجية أذعن لها ” الشعب ” سنوات طويلة ” إلى أن ضاق ذرعا بها، وبأمور غيرها، فخرج مطالبا بتغيير الإستراتيجية، فلم توافق قيادة الجيش على الطلب مفضلة نظريتها الإستراتيجية الخاصة، فما كان من هذه القيادة الا أن أخرجت قواتها من ثكناتها، وراحت تتصدى برا وجوا وبحرا، لأصحاب المفهوم الإستراتيجي المختلف، مهملةً أمر محتلي جزء من أرض “الوطن” مفضلة استئصال المواطنين على طرد المحتل، مما يعني أن الخلاف الاستراتيجي يؤدي دائما إلى أوخم النتائج أي إلى الحرب.
يصبح من الممكن في الواقع، بخاصة عند تغييب مفهوم الدولة الشامل لمواطنيها المتساوين جميعا حقوقا وواجبات، ظهور انقسامات وخلافات خطيرة بين “الجيش” وبين “الشعب” مما يستدعي قيام أحدهما، أي الأقوى سلاحا، بإستئصال الآخر بالوسائط المتاحة.. كي لا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام، الذي يحتكر تمثيله على الارض كيان ضيق مسلح، من أجل مقاومة اسرائيل والمشروع الصهيوني العالمي.. الذي يضع تشكيل الكيانات الطائفية في محيطه القريب والبعيد في أول اهتماماته، اي في اول اهدافه الاستراتيجية التي ينبغي تحقيقها بشتى الوسائل.
ينبغي التعمق في دراسة هذا الإبتكار الإستراتيجي اللبناني المدهش، الذي اجترحه امراء طوائف القرن الخامس عشر.. الهجري، من أجل فهم آلية إشتغاله كي لا يؤدي إلى تحقيق أهداف العدو الإستراتيجية سهوا وعن غير قصد.
قلت ” التعمق ” لأن هذه العجالة آثرت البقاء على ” السطح ” خشية الغرق أو الإغراق، متناسية القول المأثور: من يركبِ البحر لا يخشى…