التمديد لمجلس النوّاب ، على سوئه وعلاّته ، لا يشكّل مقتلاً لآمال اللبنانيّين وأحلامهم في دولة ديمقراطيّة مدنيّة حديثة . فقد انتكست آمالهم مرّات كثيرة تحت وطأة الحرب ، ثمّ الوصاية والإحتلال ، فسطوة السلاح اليوم .
ويحقّ للبنانيّين الإحتجاج والنقد ، ولا يحقّ لهم العويل واللطم ، فليس التمديد نهاية الدنيا . وقد ثبُتَ ، في أيّ حال ، أنّ من دَفَعَ الأمور إلى التمديد هو من رفض ، في اللحظة الأخيرة ، قانوناً توافقيّاً مختلطاً رضيت عنه بكركي وشرائح مسيحيّة وإسلاميّة واسعة ، وليس فيه خلل ميثاقي أو دستوري .
وقد جاء من تسبّب بهذه السقطة ليهدّد بالسيّء والأسوأ والكارثة ، في تصنيف شخصي إعتباطي ، تستيراً على أطماعه الحقيقيّة .
في عمق الوجدان اللبناني النقي ، أنّ لبنان يواجه امتحانه الأخير ، وسيلتقط أنفاسه بعد عودة الأجسام المنتفخة إلى أصلها ، حين ينتهي التورّط في الحرب السوريّة إلى خيبات مريرة ، وأحجام صغيرة .
والتمديد ، في مداه الزمني ، هو حالة انتظار لانكسار الموازين على القاعدة التاريخيّة : الشعب أقوى من حكّامه .
وإذا كان التمديد غير قادر على قتل الحيويّة اللبنانيّة ، وكسر الإنتماء اللبناني المزمن لتداول السلطة ، فإنّه في الواقع كَسَرَ أحلاماً أخرى دون المستوى الوطني بكثير ، بل شخصيّة فرديّة بامتياز .
ليس خافياً أنّ ” تمرّد” ميشال عون وحده على التمديد ، وبطريقة سافرة نافرة ، لم يكن بدافع هيامه بالديمقراطيّة والدستور ، وعشقه لتداول السلطة وإرادة الناس ، بل لرؤيته انهيار آخر حصونه أمام عينيه ، وتبخّر فرصة العمر الأخيرة .
وقد كان مشهده الأخير في الرابيه ، محاطاً بوجوه منقبضة وكالحة ، معبّراً عن إحباطه وانكساره .
لو كان في التمديد وعد أو ضمان بترفيعه إلى سدّة الرئاسة ، وترفيع أحد أصهاره إلى قيادة الجيش ، وإرضائه بحقائب وزاريّة وإداريّة في الحكومة العتيدة ، لكان أوّل المهرولين إلى التمديد ، ولاخترع له ألف مبرّر ومبرّر .
وقد سَبَقَ الجميع إلى التبشير بأنّ عدم إجراء الإنتخابات ليس سيّئاً أو كارثيّاً ، متسائلاً مراراً كيف يُمكن إجراء الإنتخابات والأوضاع الأمنيّة في طرابلس وعكّار وصيدا وعرسال و .. على ما هي عليه !
حاول بإلحاح إقناع ” حزب الله ” و ” أمل ” بأنّ الإنتخابات على قانون ” الستّين ” ، بعد مناورته الشعبويّة ب” الأرثوذكسي ” وما رافقها من طفرة المصفّقين وسكرة المخدوعين ، تكفل لهم أكثريّة في المجلس الجديد بدون وليد جنبلاط ، مستعيناً باستطلاعات غبّ الطلب أعدّتها له على عجل مطابخ منتفعين ، أو متزلّفين ، أو طامعين بالإنتقال من جفاف الإحصاءات إلى حديقة الترشيحات !
والواقع أنّه فضّل التمديد لأربع سنوات بواسطة ” الستّين ” ، لعلّ أكثريّة ما تأتي به رئيساً ، على تمديد سنة و 5 أشهر يقضي على حلمه.. ولتذهب مقولة ” المناصفة بال 64″ وحقوق المسيحيّين ، إلى الجحيم !
لم يقتنع حليفاه اللدودان بأرقامه وأوهامه ، فلهما حسابات أخرى ، وأولويّات خارج الحدود . وأفهماه أنّ الضمانات التي يطلبها في الرئاسة والقيادة والوزارة والإدارة هي فوق طاقتهما ، ولا يستطيعان بيعه سمكاً في البحر .
لعبة عون المفضوحة جعلت أقرب حلفائه يبتعدون عنه ، وانفرط عقد ” تكتّله ” الذي استجمعوه له ، في ليلة ليلاء ، كي ينتفخ إلى 27 . فجلس عارياً وحيداً ، يواجه ” حرباً كونيّة ” من أهل بيته ، هذه المرّة ! وبات من الواجب تغيير اسم التكتّل من ” إصلاح وتغيير ” إلى ” كتلة القفص العوني ” .
أليس لهذا الليل الطويل من ” الحروب الكونيّة ” على هذا المسكين ، مِنْ آخِر ؟!
يعِدُكَ اللبنانيّون ، يا جنرال ، بأنّها ستكون الحرب الأخيرة ، وأنت العسكري تعرف ، لا شكّ ، المعادلة القتاليّة الشهيرة : انتهى القتال لعدم وجود مقاتلين !.. أو بسبب هروب القائد !
بالطبع ، اللبنانيّون باقون ، أمّا ” المقاتل الدهري ” فإلى انتهاء . ولا نظنّ أنّك لا تعرف حكاية زميلك الجنرال فرانكو على سرير الموت ، حين قالوا له إنّ الشعب جاء ليودّعك ، فنَطَقَ بدهشة وبصوت متهدّج كلماته الأخيرة : ” ولكنْ ، إلى أين يرحل الشعب ؟! ” …
تبّاً له هذا التمديد الأرعن ، كيف يرتكب ” القتل الرحيم ” . كان يُمكن أن يكون ” صانع الأحلام ” ( بالإذن من ريمون جباره ) .
فكيف تحوّل إلى كابوس ، وإلى قاتل للأحلام ” البرتقاليّة ” ؟!