هناك رأيان في البلد يتصارعان ويتنازعان عمليةَ تأليف الحكومة منذ تكليف الرئيس تمام سلام.
الرأي الاول يشدّ على يد سلام ويدعوه الى تأليف حكومة غير سياسية تهتم بشؤون الناس وتساعدهم على حل مشاكلهم، طالما أنّ أحداً لا في لبنان ولا خارجه قادر على إيجاد او استنباط الحلول السياسية للأزمات المتتالية فوق رؤوس اللبنانيين، وطالما أنّ هذه الحلول في مجملها كانت ولا تزال وعلى مدى سنوات خلَت، مرتبطة بأزمات المنطقة، فكيف الحال والحريق السوري مشتعل منذ أكثر من سنتين ونيف وتداعياته السلبية تطاول لبنان حكومة وشعباً ومؤسسات، لا سيما مع استمرار مجاهرة “حزب الله” العلنيّة بالمشاركة في الاقتتال الدائر هناك، بغضّ النظر عن الشعارات او الحجج المرفوعة لتبرير هذا الامر. وأصحاب هذا الرأي هم مجمل فريق “14 آذار” الموجودون على يمين سلام، مع دعم غير علني او مبطّن إذا جاز التعبير من النائب وليد جنبلاط مشروطاً في العلن بقبول قوى “8 آذار” وتحديداً “حزب الله” بطرح الحكومة غير السياسية. وهذا أمر غير محقق حتى الآن ولا يبدو انه في طريقه الى التحقيق.
والرأي الثاني يشدّ ايضاً على يد الرئيس المكلّف، ولكن بالطريقة المعاكسة والمشاكسة لكثرة ما حملت في طيّاتها من مطالب تعجيزية، ليس أوّلها الإصرار على الثلث المعطل، ولا ثانيها رفض المداورة في الحقائب الوزارية، ولا ثالثها التمسك بثلاثية الجيش والشعب المقاومة في البيان الوزاري، وكلها امور رفضها سلام ولا يزال بالتكافل والتضامن مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. واصحاب هذا الرأي هم فريق “8 آذار” المعارضون حتى الساعة لرؤية سلام ونظرته الى عملية التشكيل.
ماذا سيفعل سلام أمام المعطيات المذكورة؟
الواقعية السياسية تفرض عليه احتمالات ثلاثة:
الاول: تشكيل الحكومة بشروط فريق “8 آذار”، وهذا امر رفضه ويرفضه سلام وإلّا لكانت الحكومة قد أبصرت النور بعد اسبوع على التكليف، ما يعني عملياً سقوط هذا الاحتمال نهائياً.
الثاني: تشكيل حكومة سياسية ولكن غير ملتزمة التزاماً حزبياً، وتقطيع مرحلة التمديد للمجلس النيابي والسعي إلى معالجة قضايا اللبنانيين الداخلية الامنية والاقتصادية والمعيشية والحياتية، ومراقبة ما يجري من تطورات على ارض الواقع السوري، ومحاولة التخفيف من تداعياته السلبية على لبنان، أي حكومة “8، 8، 8” من دون شروط فريق “8 آذار”، وهذا الامر رفضه ولا يزال “حزب الله” ومعه كامل الفريق المذكور، ما يؤشر ايضاً الى سقوط هذا الاحتمال.
الثالث: إعلان حكومة “اللّاراضين” إذا جاز الوصف هنا، اي التي لا يرضى عنها أحد، بالتنسيق والتشاور والتكافل والتضامن مع الرئيس سليمان، والسير بها وعرضها على المجلس النيابي لطلب الثقة، وهي الخطوة التي تصفها قوى “8 آذار” بحكومة الامر الواقع، والتي حذّرت منها ورفضتها جملة وتفصيلاً منذ الاساس. وهي، وعلى رغم دستوريّتها دونها عقبات، وقد يكون البلد في غنى عنها خصوصاً في مثل هذه المرحلة الحساسة، ما يعني عدم تحقيق مثل هذا الاحتمال، وبالتالي سقوطه ايضاً.
ماذا بقي امام الرئيس المكلف؟
البعض يقول إنه لم يبق امامه سوى الاعتذار عن التكليف وسط العراقيل والتعقيدات التي تعترض تشكيل الحكومة، وهذا الامر رفضه سلام ولا يزال، وجاهر انه ليس في وارد الاعتذار الآن، وانه مستمر في سعيه إلى إنجاز التشكيلة الوزارية بالتعاون مع الرئيس سليمان، وانه لن يألو جهداً لذلك. ولكن يبقى السؤال كيف!؟
الجواب سيأتي حتماً في الايام القليلة المقبلة التي ستلي التمديد للمجلس النيابي، وقد يعلن سلام حكومة “8، 8 ،8” ثم يستقيل بعد استقالة أحد مكوّناتها، أي احد الـ “8” الثلاثة، والمرجح أن يكون فريق “8 آذار”، فيكون بذلك قد أنجز مهمته في التأليف وافياً بالوعد الذي قطعه لفريق “8 آذار” باعتباره الضامن لأيّ خلل بديلاً عن الثلث المعطل، فهل يفعل!؟