|
|
||||||
لم يسبق للرئيس السوري بشار الأسد أن ظهر في حال التخبط، التي طبعت إطلالته على قناة “المنار” أول من أمس.. بدا مُربكاً.. متلعثماً في أجوبته على الرغم من أنه بالتأكيد كان مطلعاً عليها وأجوبتها محضرة مسبقاً، وفي مقابلة كانت مسجلة ولم تُنقل مباشرة على الهواء. فشل في إخفاء ضعفه، تماماً كما فشل نظامه في إخفاء مجازره ومذابحه وسقوطه في مستنقع إبادة شعب، قلّما شهد التاريخ القديم والحديث مثيلاً لها أو شهد على مجازر ارتكبت بهذ الوحشية.
طبعاً، لا مجال هنا لتفنيد مواقف الأسد التي خوّن فيها الأغلبية الساحقة من الشعب السوري، ووصفها بـ”الأغبياء” بسبب انجرافها في تيار الثورة، قبل أن يستدرك ويقول إن “هؤلاء المُغرر بهم عادوا الى رشدهم بعد أن اكتشفوا أن المجموعات المسلحة هي عبارة عن قتلة وإرهابيين”.. ولا مجال أيضاً للنقاش في استغباء الأسد للسوريين واللبنانيين ومعهم الرأي العام العربي والدولي، عندما “سخّف” دور حليفه “حزب الله” في الحرب التي يشنها على الشعب السوري، ومحاولة تعميم سذاجته على العقلاء وما أكثرهم، عندما يتبجّح ويدعي أنه ليس بحاجة الى دعم مقاتلي “حزب الله” ورفع معنويات كتائبه الآخذة في التداعي والانهيار والفرار من خطوط المواجهة مع الثوار، يزعم أن الحزب يخوض معركة القصير ليس دفاعاً عنه، بل لحماية نفسه من إسرائيل، من دون أن يوضح ما إذا كانت إسرائيل ستجتاح لبنان من القصير، أم أن طريق “حزب الله” الى إسرائيل وتحرير القدس وفلسطين المحتلة تمرّ بالقصير، وعلى جثث أطفالها ونسائها وشيوخها، وعلى ركام بيوتها التي دمرت بطائرات الأسد ومدافع “حزب الله” وصواريخه التي كان توعّد بإرسالها الى ما بعد بعد بعد حيفا. وهو الشيء الذي لم يأتِ على ذكره حليفه السيد حسن نصرالله، الذي أقلع أخيراً عن المراوغة السياسية، وابتداع الحجج والذرائع، واعترف صراحة في خطابه الأخير بأنه يقاتل في سوريا دفاعاً عن النظام “المقاوم ـ الممانع”، ويحول دون سقوطه كي لا تضعف المقاومة في لبنان، وتستسهل إسرائيل دخول لبنان مجدداً. وكأن الأسد كان يخاطب في هذه المقابلة شبيحته وبعض فلول نظامه دون سواهم.
هذه المقاربة العجيبة التي لا يقبلها عاقل في كفّة، وكلام الأسد عن لبنان، وانتقاده سياسة النأي بالنفس المتبعة في كفة أخرى. فالأسد بدا غير مقتنع بهذه السياسة، لا بل كان مستخفاً فيها، لا شكّ أنه كان محقاً في مكان ما، فهذا الديكتاتور لم يكن منذ البداية مقتنعاً بهذه السياسة، لا بل كان يهاجمها إما مباشرة عبر أحاديثه أو مواربة من خلال الرسائل التي كان ينقلها سفيره في بيروت علي عبد الكريم علي الى الحكومة التي نصّبها في لبنان، كان يعتبر الدولة اللبنانية مجحفة بحقه وناكرة للجميل، فهو الذي كان يملي عليها تحت سقف “النأي بالنفس” أن تتعقب المعارضين وتعتقلهم وتسلمهم الى مخابراته، وتحت سقفها كان يوعز الى الحكومة أن تتعقب النازحين وتشدّ الخناق عليهم، وتعتقلهم بحجة دخولهم الأراضي اللبنانية بطريقة غير مشروعة ومن دون أوراق ثبوتية، وتحت سقفها أيضاً كان عدد كبير من الوزراء بمن فيهم الوزراء العونيون، يصفون النازحين بـ”الإرهابيين” ويطالبون بطردهم وإعادتهم الى بلادهم لتصفيتهم هناك، وتحت سقفها منعت الحكومة إقامة مخيمات لهؤلاء النازحين لضبطهم وتنظيم وجودهم في لبنان، قبل أن تفلت الأمور من يدها وتعود لسياسة عضّ الأصابع بعد أن تجاوزت أعدادهم الأرقام المتوقعة، وتحت سقفها أيضاً وأيضاً، كان وزير خارجية لبنان (المفترض) عدنان منصور يمثل سياسة بشار الأسد في جامعة الدول العربية وقمة الدول الإسلامية ومجلس الأمن الدولي وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويخرج عن إجماع كل هذه الدول، أو بالأحرى يُخرج لبنان منها إرضاءً لعيون الأسد وسفيره علي عبد الكريم علي، وتحت سقف هذه السياسة شرّعت حكومة بشار في لبنان الحدود اللبنانية اعتداءات كتائبه على البلدات اللبنانية الحدودية بدءاً من عرسال ومشاريع القاع في البقاع وصولاً الى أكروم ووادي خالد والعبودية في عكار، وتحت هذا السقف أيضاً كانت السلطة الحاكمة تغض النظر عن دخول أرتال المسلحين من “حزب الله” الى بلدات ريف القصير والى حمص وصولاً الى دمشق وحلب.
مشكلة بشار الأسد أنه لم يعد يفهم على نفسه، فهو يهاجم سياسة النأي بالنفس ويوعز الى حكومته في لبنان أن تطبّق نقيضها، يتحدث عن دور سلبي لعبه لبنان في مسار الأزمة السورية، من دون أن يعترف أن هذا الدور محصور بفريقه في لبنان، يزعم إدخال سلاح ومسلحين في حين أن لا دور إلا للدائرين في فلكه الذين يتفوقون عليه في القتل والإجرام، يتهم المتعاطفين في لبنان مع الثورة ومع أطفال سوريا بأنهم عملاء إسرائيل، في حين يعجز هو وكل محور الممانعة من إيران الى العراق وصولاً الى حليفه “حزب الله” عن الردّ على القصف الإسرائيلي لمواقع الحرس الجمهوري وتدميرها في قلب دمشق وجبل قاسيون حتى بطلقة “خلّبية”، ينتحل صفة الزعيم العروبي الأوحد المواجه للمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، ولا يتفوّه بكلمة واحدة للردّ على حديث رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الذي أكد فيه أن “بشار الأسد هو رجل تل أبيب في دمشق”. لا يشبع عن الحديث عن التآمر العربي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي ضدّ نظامه، ويمتنع عن إطلاع الشعب السوري والعربي ككل على أبعاد تصريح إبن خاله رامي مخلوف، الذي أعلن منذ بداية الثورة السورية “أن أمن إسرائيل من أمن سوريا”. كل ذلك يكفي للدلالة على أن بشار الأسد ونظامه لم يكن يوماً نظاماً ممانعاً أو مقاوماً، إنما كان بارعاً بالتجارة بهذه الشعارات التي أتاحت له أن يحكم سوريا ومعها لبنان بالحديد والنار، وبهذه الشعارات نجح في تدمير القضية الفلسطينية وتمزيق منظمة التحرير الفلسطينية.
في المحصلة يمكن استخلاص أمرين يريدهما بشار الأسد من لبنان، الأول أن يفتح حلفاؤه كل مخازنهم ويزجوا بكل مقاتليهم معه في محرقة الشعب السوري الذبيح، والثاني أن يجتمع اللبنانيون الذين يناصرون الثورة السورية، وإن بالموقف والكلمة، وكل الذين يتجرأون على تقديم حتى الحليب والدواء لأطفال سوريا، وينتحروا دفعة واحدة، عندها يرضى الأسد، وساعتئذٍ يقتنع بأن هؤلاء نأوا بأنفسهم عمّا يجري في سوريا قولاً وفعلاً.