في كل مرّة يشعر رئيس السلطة السورية بأنّ شيئاً ميدانياً صغيراً تحقّق لمصلحته، يخرج على الملأ ليقول كلاماً كبيراً، وليذكّر مَن يكون قد نسي أو تناسى، أنّ أوهامه لا تزال طاغية وأنّ أداءه برمّته، صار أسيراً لتقدّم أو تراجع قوّاته في هذه النقطة أو تلك من الأرض السورية.
بعد معركة بابا عمرو نزل إلى الميدان شخصياً واستعرض “انتصاره”. ثم راح في أوهامه إلى حدّ الإيحاء بأنّ “الحرب” انتهت! وأنّ ما قبل بابا عمرو غير ما بعدها… وبعد قرى ريف حمص شمالاً وخربة غزالة جنوباً يعود إلى تلك الهواية المريضة وإلى تقديم معطيات واستنتاجات وخلاصات فيها من الأوهام والأفلام أكثر بما لا يُقاس من الوقائع والحقائق الدامغة، والمدموغة بدماء أهل سوريا وبعمرانها وبنيانها وحضورها… يستمرئ الفخفخة اللغوية والشكل الذي تُقال فيه ولا ينطق بكلمة أسف واحدة على ما يحصل! ويستمرئ الفظاظة المتماسكة ولا يبدي لفتة خجل واحدة إزاء بحر الدم الذي شقّه في طول البلاد وعرضها.. بل لا ينطق بكلمة عزاء واحدة حتى بالقتلى من أتباعه وشبّيحته.
غير أنّه وكما في كل مرّة، يقدّم للمعارضة السورية بنفسه وليس بالواسطة، أفضل مساهمة ممكنة لإبقاء صفوفها موحّدة وتجاوز خلافاتها… صورته وحدها توازي ساعات وأياماً وليالي من النقاش والمساومات والتدخّلات والحسابات. وكلامه وحده يوازي كل الجهود التي بُذلت لدفع أهل الثورة للبقاء على تماسكهم. اجتماعات اسطنبول الأخيرة كادت أن تكون كارثية لو لم “يظهر” بنفسه ويذكّر المشاركين فيها بهدفهم المركزي الأساسي، العام والجامع!
… أراد الحديث بنبرة الواثق عن “الانتصار” لكن نبرة الصوت كانت مكسورة من أعماقها… وصاحبها يعرف أكثر من كل الناس، أنّ المعادلة رست عند نقطة مفتوحة على التقدّم وليس التراجع: استمراره يعني استمرار الحرب. وهذه تعني أنّ مصيره الأخير فيها صار عرضة لعاملين لا يملك إزاءهما أي تأثير حاسم. الأوّل استمرار المعارضة بالقتال. والثاني احتمالات أي تسوية “كبيرة” تتّصل بمصالح الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بما يحصل! في الحالتين والحسابين لا مكان له في سوريا. صحيح أنّه لا يزال عنواناً كبيراً للحرب الدائرة في سوريا وعليها، لكنه لم يعد يملك من إمكانات التأثير فيها أي قدرة أو قرار مفصلي. والشعور بفقدان الوزن والقيمة والتأثير لمَن هو في وضعه ومركزه ليس تفصيلاً عابراً وإنما مصيري.
لذلك ربما، “يقاتل” قتال اليائس. وهذا في العادة يكون شرساً و”نهائياً” وغير هيّاب لأنه يعرف بعمق أن مصيره حُسم طالما أنه اختار المواجهة وليس الاندحار أو الابتعاد أو الانكفاء.. لكن المعضلة التامة التي تحاصر الوضع السوري في الإجمال، تكمن في المدَدَ الذي يغذّي تلك المناحي التدميرية ويدفع بصاحب الوهم الى الافتراض أن يأسه ليس إلا “إرادة” فولاذية ستصدّ الآخرين وتدفعهم من جديد الى الرضوخ والانكسار والإذعان!.
.. قدر سوريا أن تُدمّر بهذه الطريقة وعلى أيدي دعاة “حمايتها” وتأكيد “ممانعتها” ومناخها “المقاوم”. وقدر العرب في ربيعهم الراهن أن يواجهوا على جبهات عدة محاولات تدمير طموحهم الى مناجاة الشمس والهواء النقي ومعاني الحرية واللحاق بالعصر والعولمة.. جبهات داخلية وخارجية. أخطرها تلك التي يخيّرهم أصحابها بين البقاء تحت ذلّ القمع والطغيان وأنظمة المافيات والسمسرات والمتاجرة المفتوحة بالشعارات أو العودة مئات السنين الى الوراء.. الى الفتنة و”طقوسها” وأهازيجها المغلّفة بشعارات مقدّسة!.