|
|
||||||
بعد الإعلان عن إبرام اتفاق التمديد للمجلس النيابي بأكثرية لا بأس بها، كثر الحديث عن صلاحيات رئيس الجمهورية التي منحه إياها الدستور اللبناني لناحية منع حصول الجلسة (أي تأجيلها) ما يعني عملياً إجراء الانتخابات في موعدها، أم لناحية الطعن بدستورية التمديد أمام المجلس الدستوري بعد انعقاد الجلسة النيابية وإقرار التمديد.
من ينفض الغبار عن الدستور اللبناني ويغوص في مواده يجد في المادة 19 التي تتحدث عن إنشاء المجلس الدستوري ومهماته وكيفية مراجعته، المعدلة بموجب المادة 50 من القانون الدستوري الصادر في 17\10\1927 ومن ثم عدل نصها بموجب المادة الأولى من القانون الدستوري رقم 18 في 21\9\1990 على الوجه التالي: ينشأ مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية. ويعود حق مراجعة هذا المجلس في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء أو إلى عشرة أعضاء من مجلس النواب. أما المادة 59 من الدستور التي تم تعديل نصها بموجب المادة 33 من القانون الدستوري الصادر في 17\10\1927 المتعلقة بتأجيل انعقاد مجلس النواب، فهي تنص على ما حرفيته: لرئيس الجمهورية تأجيل انعقاد المجلس إلى أمد لا يتجاوز شهراً واحداً وليس له أن يفعل ذلك مرتين في العقد الواحد”. ما يعني عملياً أن بإمكان رئيس الجمهورية إيقاف العمل التشريعي لتصبح الحكومة ملزمة إجراء الانتخابات على أساس القانون الساري المفعول أي القانون الذي يعرف بقانون الستين، الذي سبق لموجباته المالية أن أقرت أسوة بتشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات.
بعد تأكيد الرئيس في إطلالته الأخيرة أن “التمديد أصبح واقعاً بالنسبة للمجلس النيابي لكنني سأطعن أمام المجلس الدستوري لأتحقق من دستورية هذا التمديد”، جاء من “يذكره بذكاء” بالمادة 59 التي يعرفها جيداً، لكن الساهر على حماية الدستور، فضل كما يبدو عدم استعمالها لأسباب تبدو واضحة بالنسبة لمجموعة من المراقبين.
أولاً: كيف لرئيس الجمهورية أن يقف بوجه الإجماع النيابي الميثاقي بوجود كلّ النواب المسلمين وغالبية النواب المسيحيين بعد تخلي نواب المردة والطاشناق عن رئيس تكتلهم وانضمامهم إلى نواب القوات والكتائب والمستقلين، ما يعني أن المعارضة المسيحية برلمانياً، ما عادت تشكل أكثرية؟
ثانياً: كيف لرئيس الجمهورية أن يأخذ على عاتقه مسؤولية تعطيل التمديد بمواجهة الأكثرية البرلمانية المريحة في ظلّ الرسائل الأمنية الآتية من كلّ حدب وصوب، فمن يتحمل تبعات أي عمل أمني عندما تكون “مجموعة التمديد” في مواجهة الرئيس، عندما نضع المادة 59 الدستورية في كفة، وصواريخ الغراد وإراقة الدماء المفتعلة في كفة؟
ثالثاً: كيف للرئيس أن يُشاكِس كلّ هؤلاء بمن فيهم رئيس حكومة تصريف الأعمال الذي هرول ليوقع لأن “ما أجمعت أمته على خطأ”، فماذا عن أمة الرئيس التي أجمعت أيضاً بغالبيتها على التمديد لنفسها مُستفيدة من الوضع الأمني الهشّ؟
رابعاً: هل نسي “الدستوريون الجدد” كيف خرجت عبارة “ما تجربونا” لحظة تسريب خبر صحافي غير رسمي عن نية الرئيس بالتنسيق مع رئيس الحكومة المكلف، تأليف حكومة الضرورة الوطنية التي أطلقوا عليها زوراً تسمية “الأمر الواقع”؟
خامساً: على كل من يريد انتقاد الرئيس أن يعيد حساباته، أو أن يراجع مواقفه جيداً لناحية الهجوم اليومي الممنهج الذي يتعرض له الرئيس من الأقربين الذين ساهموا في حملة إضعاف موقع الرئاسة الأولى بدلاً من دعمها إلى أقصى الحدود، ليس آخرها رفضه تورط “حزب الله” في سوريا ولا في الجولان، فأين الأذان الصاغية التي تلقفت موقفه الوطني ووضعت ثقل كتلتها النيابية بتصرفه وطالبت حليفها بوقف القتال خارج الحدود والاستجابة للقائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يُفترض أن تصبح تمنياته أوامر بعد أن يدعمه الداعمون؟
صحيح أنّ هناك شريحة واسعة من المجتمع المدني نتشارك وإياها والرئيس رفض التمديد، لكن من غير المقبول والمُعيب تحميل رئيس الجمهورية تبعات قصور الطبقة السياسية العاجزة، الغارقة في حفلة الجنون تارةً وحفلة المزايدات تارةً أخرى.