|
|
||||||
بعد ثماني سنوات على استشهاد المؤرخ والصحافي والسياسي اليساري سمير قصير، تستمر عمليات الاغتيال السياسي التي لم تتوقف إلا قليلاً لتستأنف نشاطها موقعة الخسائر في صفوف اللبنانيين المنضوين تحت لواء قوى آذار. لم يكن آخر الشهداء رجلاً سياسياً، بل أحد الأمنيين الذين كشفوا جزءاً من شبكات الاغتيال، كما كشف جزءاً من شبكات العمالة لإسرائيل.. كان اللواء وسام الحسن تفصيلاً كبيراً في التخفيف من عمليات القتل.. فتحول إلى نقاط دم منثورة فوق الأرض كما نثرت دماء سمير قصير قبل ثمانية أعوام.
ما زال القاتل ينثر رصاصاته وعبواته الناسفة ويصطاد من يشاء من رواد الحرية في العالم العربي، فقد سقط سمير قصير وهو في عز عطائه، أخذت مفرزة الأمن الموافقة العليا على قرار الاغتيال، ونفذت العملية بسهولة وسرعة فائقة، وأرفقت بكمّ من الشائعات التي حملتها البيئة الحاضنة للقاتل ومشت بها. كان قتل سمير قصير هو الاغتيال السياسي الأسهل يومها، كما تبعه اغتيال جورج حاوي لاحقاً، بعبوة صغيرة وموجهة تستهدف شخصاً واحداً معروفاً بالاسم والشكل. تقتله، وتحوله إلى جثة هامدة.
أعضاء المفرزة الأمنية أو الحزبية التي مارست عملية الاغتيال هذه أو غيرها يتسابقون مع الوقت ليسجلوا أعلى عدد ممكن من الأرقام التي تدخلهم موسوعة “غينيس”، سبقوا قائد الخمير الحمر القاتل المعروف “بول بوت” بأشواط، من حيث عمليات الاغتيال السياسي، واستطاعوا أن يجعلوا من الاغتيال فرصتهم الوحيدة للرد على موقف سياسي أو مقالة يكتبها صحافي.
الاغتيال بـ”العبوة” يستهدف فرداً كما سمير قصير، ولكن القاتل نفسه في سوريا اليوم يستهدف الناس أجمعين، فيقتل أكثر من مئة ألف إنسان، لو جمعت أعمارهم كلها لساوت أكثر من ثلاثين مليون عام كرقم وسطي. ملايين الأعوام الانسانية تُغتال في سوريا، والقاتل يعمل كل يوم ليؤكد بقاءه إلى الأبد. يقتل ما استطاع من الناس ليؤكد كما كل مرة يقتل فيها شخصاً واحداً أو مئة ألف أنه لن يتوقف عن صناعة الموت بكل أشكاله إلا في اللحظة التي يذهب بها من هذه السلطة التي تحكّم بها إبناً عن أب.
قبل استشهاده بشهر كتب سمير قصير مقالاً تحت عنوان “الخطأ بعد الخطأ” ومما جاء فيه: “كنّا اعتقدنا أن الحكم السوري استخلص العبر مما جرى له في لبنان، جراء أخطائه المتراكمة، وأنه سوف يخرج من الهزيمة التي تلقاها بعزم على انتهاج سياسة توفّر عليه هزيمة أكبر، فيبادر إلى تغيير جذري في أدائه يحول دون وقوع مواجهة مع شعبه تكمل ما عاناه في المواجهة مع الشعب اللبناني. وكان تحديد موعد انعقاد مؤتمر حزب البعث في بداية الشهر المقبل والذي أشار اليه الرئيس السوري في خطاب إعلان الإنسحاب من لبنان، قد أوحى أن الإصلاح الذي ما برح النظام يتكلم عنه سوف تكون له أخيراً بداية. ولكن عبثاً. فما تفيده الإعتقالات الأخيرة هو أن الإصلاح عند أهل البعث لا يعني القبول بالرأي المعارض”.
كان سمير في تلك اللحظة يتحدث عن مستقبل سوريا الذي نشهده منذ عامين، يتحدث عن المواجهة بين النظام القاتل والشعب السوري، وهو الأمر الذي لم يكن يتوقعه أحد فحصل بعد سنوات قليلة من قراءة سمير لتاريخ المنطقة ومعها تاريخ الشعب السوري الذي تحمّل الكثير ليثور في اللحظة المناسبة له، اللحظة التي لا يتراجع فيها، مهما حصل، عن استكمال ثورته.
يختتم قصير مقالته بالقول “إن تراكم الأخطاء يقصّر المهل، على ما صرنا نعرف في لبنان. وهو ما كان يفترض بحكم البعث أن يفهمه من لبنان”. تراكم الأخطاء بالتأكيد هو من أوصل الحال في سوريا إلى ما يراه العالم ويسمعه من ثورة ومجازر يعانيها الناس في سوريا على يد الجيش السوري وحلفائه الذين دخلوا الحرب من “باب” الحفاظ على مقدسات دينية، وغرقوا في مستنقع يشبه إلى حد كبير المستنقع الأفغاني الذي دخله الجيش السوفياتي في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي..
في السنوات التي سبقت اغتياله، كان سمير قصير واضحاً في مواجهة آلة القتل الأمنية السورية – اللبنانية، حمل بشدة على النظام الأمني، وتواجه بشكل مباشر مع “رؤوس” ذلك النظام، فهددوه بحياته الشخصية، وبعمله، ولاحقوه، وحتى أن اكثرهم حقداً على سمير وكتابات سمير ومبادئه جرّب أن يسحب عنه الجنسية اللبنانية على طريقة “أهلك جعلوك لبنانياً، وأنا الأخ الأكبر (كما في رواية لجورج أورويل).. ألغي من أشاء” وهذا ما حصل.
في سنوات الحرب الأهلية وما تلاها، كان هناك الكثير من الصحافيين الذين قتلوا أو تعرضوا للتهديد بالقتل، بعضهم رحل وآخرون تركوا العمل الصحافي، كان سليم اللوزي نموذجاً للصحافي الذي فرّ من تهديد المخابرات السورية، وعاد ليشارك في جنازة والدته، كانت زيارته الأخيرة التي تلاها الموت تحت التعذيب. كان انتقاد اللوزي للنظام السوري أقل بكثير من الانتقاد الذي وجهه سمير قصير. كان سمير يدرك أن سياقات التاريخ تتجه إلى الأمام ولن تبقى حيث هي في الخلف.. سقط سمير وسارت السياقات التاريخية في طريقها الحقيقي. ثارت درعا وحمص ودمشق وحلب ودير الزور والرقة والقصير واللاذقية وبانياس وكل المدن السورية. أطاحت هذه الثورة بفكرة تأبيد القائد الخالد وابن القائد الخالد وحفيده. وصارت سوريا على موعد أقرب من الحرية كأنها تحاكي عيون سمير قصير وشعاره الذي نقله من جدار بيروتي “أنا شعبي أكبر يا عسكر”.