|
|
||||||
الآن وبعد أن طويت صفحة التمديد للمجلس النيابي، عادت الأمور كلها لتتركّز حول مساعي الرئيس المكلّف تمام سلام لتشكيل حكومة وفقاً للشروط التي وضعها منذ اليوم الأول لتكليفه، علماً أنه أقرّ بعد التمديد أن الصفة التي كانت تلازم حكومته العتيدة هي الإشراف على الانتخابات وهي لم تعد كذلك اليوم، بل تحوّلت لتكون حكومة سياسية بكل ما في الكلمة من معنى.
كثيرون اعتقدوا أنه بعد فشل طاولة لجنة التواصل النيابية بالتفاهم على قانون للانتخابات على الرغم من دخول الرئيس نبيه بري مباشرة على الخط وترؤسه ثماني جلسات للجنة، صار بحكم الضروري التفاهم على إنجاز صفقة تقضي بالتمديد للمجلس تجنّباً للفراغ في المؤسسة الدستورية الأم، وتسهيل عملية تشكيل الحكومة.
غير أن مصادر مطلعة أشارت إلى أن هذا الأمر ليس صحيحاً إذ إن المبررات التي تم تسويقها للتمديد تتعلق مباشرة بالوضع الأمني الذي عاد الرئيس بري ليشير إليه مراراً في الأيام القليلة التي سبقت انعقاد الهيئة العامة للمجلس في 31 أيار لإقرار التمديد، وهو قال بوضوح “ليس هناك حرية تحرّك لا للمرشح ولا للناخب على حد سواء”.
وتضيف المصادر أن الفراغ في السلطة التشريعية كان ليدخل البلاد في المجهول والتفلّت الأمني بدأ ينسحب على جميع الأراضي اللبنانية ولم يعد مقتصراً على معارك على خطوط التماس التقليدية في عاصمة الشمال طرابلس، بل امتد إلى البقاعين الشمالي والشرقي وصولاً إلى عاصمة الجنوب صيدا مروراً ببيروت، ناهيك عن المحاولة الإجرامية التي كادت لتفجّر برميل البارود المحتقن لولا مسارعة المعنيين لمعالجة مسألة إطلاق صاروخين مجهولي الهوية من قضاء عالية باتجاه الضاحية الجنوبية.
إذاً فإن خطورة الوضع الأمني والخوف من الانفجار كان العامل الرئيسي الذي جمع القوى السياسية المختلفة حول ضرورة التمديد للمجلس النيابي ولم يكن للأمر أي علاقة بصفقة تسهيل تشكيل الحكومة العتيدة، إذ ما أن خرج نواب فريق “8 آذار” من جلسة التمديد حتى بدأت أبواقهم الإعلامية تروّج مجدداً للشروط إياها التي يطالبون فيها وهي تشكيل حكومة يحصلون فيها على “الثلث المعطل” ويرفضون مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية ناهيك عن اشتراط معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” في البيان الوزاري.
ومنذ اليوم الأول للاستشارات النيابية، اعتقد اللبنانيون بأن شبه الإجماع الذي برز حول الرئيس سلام سوف ينسحب على تشكيل الحكومة لكن العقبات التي برزت بعد اليوم الأول للمشاورات النيابية التي أجراها الرئيس المكلّف، بدأت تلوح في الأفق الصعوبات التي سيواجهها سلام بعد أن وضع المقومات الرئيسية لحكومته والشروط الرئيسية التي لا يريد أن يحيد عنها وفي مقدّمها رفضه لتوزير أسماء حزبية استفزازية، ورفض إعطاء الثلث المعطّل، واشتراط المداورة في الحقائب الوزارية التي لا يريدها أن تصبح عرفاً موقوفاً لهذه الطائفة أو تلك.
وبرزت في مقدمة العقبات الشروط القديمة الجديدة نفسها التي يضعها النائب ميشال عون والمتعلّقة حصراً بتوزير صهره جبران باسيل، وإعادة تكليفه بوزارة الطاقة “المدرارة”، فعادت إلى الأذهان الكلمات الطنّانة للجنرال “كرمال عيون الصهر”. لكن الأمر لم يكن ليقف عند هذا الحد، فاشتراط “حزب الله” التمسّك بمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة” في البيان الوزاري للحكومة العتيدة، لم يكن تحدّياًَ للرئيس المكلّف نفسه، بل رسالة موجّهة إلى الرئيس ميشال سليمان وفريق “14 آذار” بأنه ما لم يكن البيان الوزاري قائماً على هذه المعادلة، لن تكون هناك حكومة.
غير أن سلام الذي تابع اتصالاته ومشاوراته مع المعنيين بغية تذليل العقبات التي يضعها “حزب الله” والنائب عون أمام التشكيل، لم يدع “همّته” تبرد وظلّ متمسكاً بالمواصفات نفسها التي حدّدها لتشكيل الحكومة وأعلن أن “القوى السياسية نفسها التي توصلت الى التفاهم على التمديد يمكنها التوصل الى اتفاق على تسريع تأليف الحكومة” مؤكّداً أن “حكومته ستكون سياسية لكنها مؤلفة من المحايدين حتى لا تنتقل المواجهات والمتاريس القائمة في البلد الى داخلها”.
لكن عقبات تشكيل الحكومة تبدأ مع “حزب الله” الذي لا يبدو مستعجلاً لإنهاء ملف التركيبة الحكومية طالما أنّ لديه ما يؤرقه كثيراً ويشكّل له أولوية في هذه المرحلة وهي مشاركته بمعارك ريف القصير بشكل علني، وبالتالي لن يكون أمام مهمة سهلة في محاولته إقناع أي رئيس حكومة أو شركاء حكوميين على تغطية معاركه في سوريا، فكيف إذا كانت هذه الحكومة برئاسة سلام الذي لم يخف “امتعاضه” من تورّط “حزب الله” في سوريا، ما يعني أنّ الإبقاء على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة، قد يكون أهون الشرور بالنسبة إليه.
من ناحية أخرى، فإن الحزب ماض في مشوار إرضاء حليفه عون الذي وجد نفسه وحيداً في معارضة مسألة التمديد للمجلس النيابي، وبالتالي فإن سلة المطالب التي وضعها “الجنرال” أمام الحكومة العتيدة التي تبدأ بعودة جبران باسيل وزيراً ولا تنتهي بالاحتفاظ بحقيبتي الطاقة والاتصالات، من دون إغفال المطالبة بتمثيل حكومي استناداً “للأحجام والأوزان”.
أمّا إصرار قوى “8 آذار” على الحصول على الثلث المعطّل، فمسألة لا يبدو أن الرئيس سلام في وارد القبول بها، لا سيما أن هوية الحكومة أصبحت سياسية وعمرها لن يكون محصوراً بموعد الانتخابات النيابية، فبالتالي لا مجال للمجازفة في استعادة التجربة “الفاشلة” التي انتجها الثلث المعطّل في حكومة الرئيس سعد الحريري والتي أدّت إلى الانقلاب الشهير الذي نفّذه فريق “8 آذار” وأوصل البلاد إلى الأزمة التي يعيشها حالياً.
وعلى الرغم من أن الرئيس سليمان ورئيس جبهة “النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط وسائر قوى “14 آذار” يرفضون العودة إلى معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي “مضى عليها الزمن”، فإن إصرار “حزب الله” عليها يسبق أي توافق على تركيبة الحكومة، ما يعني أن سلة شروط فريق “8 آذار” سلّة متكاملة، إما القبول بها جميعها وعدم تقسيطها، أو لا حكومة في الأفق القريب.
كل هذه المعوقات مفادها أن تشكيل الحكومة لن يكون يسيراً وأن التفاؤل الذي برز مع الإجماع على تكليف الرئيس تمام سلام، لن ينسحب بالضرورة على التشكيل، وأن التمديد للمجلس النيابي قد يكون مقدمة للتمديد للأزمة “الحكومية” والوطنية.