يسري على الجميع المبدأ العام القائل إن الحرب سجال… وإن استنساخ تجارب الأعداء عادة قديمة. بعض أسبابها يتّصل بعلم النفس، وجلّ الباقي يتصل بوقائع وحقائق لا يجوز منطقياً تجاهلها وإلاّ كان الأمر تعبيراً عن قصور فادح في الأداء.
ومثلما “استعار” “حزب الله” شعار الحرب الاستبقائية من الإسرائيليين والأميركيين، واضعاً إياه (راهناً؟) في مقدّم خطابه وبيانه التبريري وراح يجرّبه في ريف حمص وبعض نواحي الشام، فإن ما يواجهه ميدانياً من قبل مقاتلي الثورة السورية، سبق له أن مارسه هو ضد الاحتلال في الجنوب اللبناني… الاستنساخ بهذا المعنى كان مزدوجاً: الشعار والممارسة من جهة، والنتائج الحالية (والمرتقبة) من جهة ثانية، بحيث إن محاولة التمايز القتالي عن الجيوش النظامية تبدو (وستبدو حُكماً) فاشلة ومكلفة مهما شعشعت خمريات وخبريات البأس والانتصارات الإلهية في الرؤوس، ومهما طُرحت على الناس آراء ونظريات وطلاسم خلاصية تخيّرها بين السيئ والأسوأ!
الحقائق المجرّدة لا تتغير، تماماً مثل معطيي الحياة والموت: ذهاب “حزب الله” الى ريف حمص والقصير هو تدخل في أرض ليست له. وهذه حقيقة لا تغيّرها مطوّلات الضخ الكبريتي السياسي والإعلامي المعاكس! وقتاله المعارضة السورية هو قتال للثورة السورية التي اختارها الشعب السوري وسيلة وحيدة ولا بديل عنها للتخلص من الطغيان الأسدي البعثي الذي طال على مدى نصف قرن. وهذه حقيقة أقسى من طبيعة الأرض، ولا تغيرها ادعاءات مضحكة مبكية ترطن باللغو عن تكفيريين وتتعامى قصداً عن حقيقة المسّ الخطير بكرامة ومشاعر غالبية عربية وإسلامية تناصر تلك الثورة وتصف أعداءها ومن يقاتلونها بأوصافهم كما هي!… التكفيريون فيلم ممانع دعائي وبائس، لكن الفتنة حقيقة واقعة وتامة وشبه منجزة!
مفارقات غرق “حزب الله” في مستنقع الدفاع عن النظام الأسدي البعثي كثيرة وطويلة، لكن الشيء المؤكد فيها هو أن ذلك الغرق لن يصير من “عاديات” الأمور مهما ارتفعت وتيرة عمل ماكينات التعبئة وزاد إنتاجها وتكثف استخدام الأساطير في مواقع المنطق السليم والحسّي والملموس: حاول الإسرائيليون طويلاً التعايش مع فكرة دفع “الأثمان المعقولة” تفادياً للأثمان الكارثية في لبنان. وجربوا على مدى أربعة عقود وضع حروبهم وغزواتهم تحت ذلك البند وردفه بشعار مواز هو إبعاد الخطر الخارجي عن الحدود والداخل… وجرّب الأميركيون قبلاً وعلى نطاق دولي واسع، نظرية الحرب الاستباقية تلك بحيث إنه وقبل أفغانستان والعراق و”الحرب على الإرهاب” في عقر داره، ذهبوا الى آخر الدنيا، الى فييتنام للقتال دفاعاً عن “طريقة عيشهم” من خلال منع الشيوعيين من الانتصار! وأقرب من ذلك بكثير، فإن الحرب العراقية الإيرانية اندلعت أساساً لأن صدام حسين أراد “استباق” ومنع تمدّد الثورة الإيرانية الى بلاده!
بغضّ النظر عن الفحوى، فإن المبدأ هو ذاته، والحقيقة التامة التي لا يريد “حزب الله” أن يراها أو يأخذ بها، هي أن التجارب السابقة انتهت الى نتيجة واحدة ومشتركة، مهما أرعد البيان التلفيقي ومهما أورد في سياقه مصطلحات مستعارة من السماء لتغطية مثالب الأرض!
حرب “حزب الله” في ريف حمص والقصير، (وأياً كانت نتيجتها الراهنة والسريعة) لن تختلف في نهاياتها وخلاصاتها عن نهايات وخلاصات التجارب المماثلة… في محاكاة محكمة للحكمة الخالدة القائلة: إن البدايات تُحدِّد النهايات. ولا يمكن لبداية خاطئة أن تؤدي الى نتيجة صحيحة. كما لا يمكن لبذرة خبيثة أن تنتج ثمرة حميدة!
العنوان الوحيد لتلك الحرب هو النكبة، وعلى حدّ علم من عليها، فإن النكبة لا يمكن لها أن تكون مجيدة، لا بالتفصيل ولا بالإجمال، ولا بالنسبي ولا بالمطلق!