هي من المرّات القليلة التي يعيش فيها “حزب الله” هذا الهاجس الامني، فكل أجهزته الأمنية والعسكرية مستنفرة بما فيها وحدات من السرايا التابعة له، كل هذا يحصل غداة تحذيرات حصل عليها الحزب والتي تتحدّث عن احتمال استهداف مناطقه لخضّات أمنية مفتعلة، إما على يد جماعات تكفيرية كما يدّعي، أو احتمال دخول العامل الإسرائيلي على خط الاغتيالات مجدداً بهدف زرع الفتنة بين اللبنانيين خصوصاً في ظل الانقسامات الحاصلة جرّاء الوضع في سوريا.
من عادة “حزب الله” أن يتعامل مع كل التهديدات وخصوصاً الإسرائيلية وكأنها مجرّد فقَاعات في الهواء الهدف منها ثنيّه عن أي نشاط يقوم به أو مخطط اعتداء هو بصدد التحضير له. لكن من يرى حجم الإرباك داخل قيادة الحزب وعناصره في الضاحية الجنوبية خلال هذه الفترة، يُدرك تماماً أن ما يحصل هو ليس مجرّد استنفار عادي هدفه ضبط الأمن أو المراقبة، إنما يتخطّى في مضمونه كل الحسابات الممكنة وغير الممكنة لدرجة أن بعض السكّان يُسربون معلومات تتحدث عن إنشاء ما يُشبه “حزاماً أمنياً” حول المناطق التي تخضع لسيطرة “حزب الله” من الجنوب الى البقاع.
وللتذكير فقط، أنه في ذكرى عاشوراء الماضية، تلقّى “حزب الله” مجموعة معلومات تفيد عن اختراق مجموعة مؤلّفة من ثمانية أشخاص تنوي القيام بأعمال إرهابية تطال عدداً من مراكز كانت تُحيي هذه الذكرى ليتبيّن لاحقاً عدم صحّة هذه المعلومات، ويومها استنفر الحزب مجموعاته الأمنية لمراقبة كل شاردة وواردة رغم إقراره بصعوبة ضبط الأمن في مناطقه بشكل محكم وإلا لما كان الكثير من عمليات الاغتيال سابقاً على يد عملاء لإسرائيل قد حصلت حتى داخل ما يُعرف بالمربعات الأمنية.
الأحاديث في الضاحية الجنوبية تكثر خلال هذه الأيام منها ما هو صحيح ومنها ما هو مُفبرك هدفه إلهاء الناس عن ما يحصل في الداخل السوري. المجتمع الأهلي هنا، لا حديث له سوى عن القتلى في صفوف الحزب والرجال الذين يسقطون وهم في عزّ شبابهم إضافة الى المعلومات التي تردهم مثل إلقاء القبض على أشخاص ليسوا لبنانيين كانوا ينوون القيام بأعمال تخريبية، ليبدو الأمر وكأنه متعمّد هدفه بث هذه الأجواء من أجل إثارة المخاوف وعندها يُصبح المواطن هو أيضاً بمثابة عين حارسة تعمل لصالح جهاز أمن الحزب التي تنتشر بعض عناصره بين الأحياء السكنية فيما تتوزّع البقية على درّاجات نارية على طول حدود الضاحية وصولاً إلى بعض مناطق الجبل.
لا يجد بعض من أهالي الضاحية وخصوصاً أولئك المطّلعين على الأوضاع العامة بكثافة، حرجاً في الحديث حول التطورات الأمنية الحاصلة وتحديداً التحركات الليلية التي تقوم بها عناصر من “حزب الله” داخل شوارع وأحياء الضاحية والمدجّجة بسلاحها الكامل، محدثة نوعاً من النقزة لدى عدد كبير من هؤلاء الأهالي، ويكشف هذا البعض، أن “حزب الله” قام الأسبوع الفائت بتوزيع ما يُقارب ألفي هاتف جوال مع خطوطهم، على محازبيه ومناصريه إضافة إلى بعض السُكان المقرّبين منه، للإبلاغ عن اي حالة طارئة يمكن ان تحصل أو أي اشتباه بشخص أو سيارة، وقد وزّع الحزب هؤلاء إلى مجموعات بعضها ينتشر في النهار والبعض الآخر يعمل في الليل ولهذه الهواتف أرقام سريّة مؤلّفة من ثلاثة أرقام متصلة بشبكة واحدة”.
العلاقة بين “حزب الله” والجماعات السلفية هي في تدهور دائم حتى مع المجموعات التي كانت تُعتبر مقربة جداً منه كجماعة “أنصار الله” التي أعلنت منذ فترة فك تحالفها مع الحزب بعد انغامسها في الحرب السورية, والحال نفسها اليوم مع حركة “حماس”، هذا ما يُعبّر عنه “جهاد” قريب لأحد مسؤولي الحزب في منطقة صفير، “تدهور هذه العلاقة بدأ يأخذ حيزاّ كبيراً من اهتمامات جهاز أمن “حزب الله” الذي باشر عناصره بالقيام بدوريات ليلية تُشبه المناورات على أطراف المخيمات الواقعة بالقرب من الضاحية والجنوب أيضاً”، ولا يُخفي جهاد تذمّر بعض الأهالي الذين يقطنون ضمن نطاق مربعات الحزب الأمنية من عمليات التفتيش المتكررة التي يخضعون لها في الليل والنهار، “بعض هؤلاء بدأوا يفكرون جديّاً بترك منازلهم والانتقال الى مناطق خارج الضاحية ولو بشكل موقت”.
وللنسوة في الضاحية منطق خاص بهن وكثيراً ما تنبع تحليلاتهن من المنطق أو نتيجة المعلومات التي ترد الى مسامعهم خلال مجالسهم الخاصة خصوصاً وأن تلك النسوة، هن إما زوجات لمنتسبين إلى الحزب وإما أمهات لعناصر أو كوادر. تقول إحداهن “الضاحية أصبحت أشبه بمنطقة عسكرية في الليل”، “الخوف يلاحقنا والعيون تترصّّدنا”، وتُلاحظ، أن موجة العملاء لإسرائيل قد خفّت بشكل ملحوظ ولم نعد نسمع عن إلقاء القبض على عميل هنا أو هناك كما كان الوضع حتى الأمس القريب ، “لماذا تُرسل اسرائيل عملاءها الى هنا طالما أن الشباب الذين كانوا بالأمس يقاتلونها هم اليوم يسقطون دفاعاً عن بشار الأسد”، حتىّ تلك الجارة السُنية المذهب غادرت المنطقة خوفاً على أبنائها “مع العلم أن أحداً لم يقترب منها أو يُسيء إليها”، “شو دخلنا ببشار وبيّو إن شاء الله بيلحقو.. على قبرو أخدولنا أحلى شبابنا”.
إنزعاج الأهالي هنا في الضاحية مرسوم بخطوط عريضة على وجوههم، فالأمن في الليل هو تحت حماية مجموعات من العاطلين عن العمل كانوا شكّلوا لأعوام طويلة، عصابات سرقة للسيارات والبيوت والمحلات قبل أن تتولّد لاحقاً إشكالات مُسلّحة بينها وبين الحزب نفسه، ولهذا، ينتقي “جهاد” بعض الكلمات للتعبير عن الحالة في منطقته، “ليل الضاحية أسود حالك والصمت يتحوّل الى خوف، وحدهم قناصو الفرص مستيقظين ووحدها شحنات الأسلحة توزّع سمومها على المستودعات غير آبهة بمواطن لم يعد يجد راحة لا في ليله ولا في نهاره”.