لبنان الدولة المعلقة، لا بل البلد المعلق في انتظار لعبة الامم التي تدور رحاها بدموية فائقة في سوريا، وفي انتظار ان يعود فريق وازن فيه من رحلته الدموية والقاتلة من سوريا، اما منتصرا واما مهزوما. فإذا كان تطيير الانتخابات وفرض تمديد طويل لولاية مجلس النواب قد ابعد قليلا شبح الفراغ في مؤسسة مجلس النواب، فإنه لم يحل دون حدوث انهيارات اضافية في بنية الدولة، والاهم في ثقة اللبنانيين ببلدهم ومستقبله، وهم يشهدون ارتهانه التام لأزمات المنطقة. فمشروع “حزب الله” المتورط بالدم في سوريا ما كان ليذهب في اتجاه مختلف. وهذا بالتحديد ما يؤكد كل ما ذهبنا اليه منذ سنوات بعيدة في تحذيرنا من خطورة هذه الظاهرة المستتبعة لأجندة خارجية، والتي لا يسعها ان تقدم للبنانيين سوى مشاريع حروب متنقلة لا نهاية لها، تارة في الداخل، وطورا في الخارج. واليوم يعيش اللبنانيون ازمة الارتهان التام لأجندة خارجية، ولصراعات كان يمكن تفاديها بسهولة نسبية لو حصل توافق لبناني وطني جامع، ألزم الجميع تحييد لبنان نهائيا عما يحصل في الجوار. نعم، كان في الامكان الا نصل الى هذا الدرك لولا “الجنون” الذي تمكن من فئة مسلحة خارجة على الاجماع الوطني، فحوّلها الى “كتائب موت” تتنقل في لبنان، وبين لبنان وسوريا. واليوم يتم الزج بآلاف الشباب اللبناني في حرب لا تعنيهم، بأعذار واهية، لا بل انتحارية.
في لبنان جرى تعليق كل شي: من الانتخابات حيث تمت مصادرة ارادة الشعب باستخفاف مشين، الى تشكيل حكومة جديدة يرزح رئيسها المكلف تحت جملة شروط تعطيلية يفرضها “حزب الله”، فالدولة التي حطمها الحزب المذكور بتجريده حملة عسكرية خارج الحدود مثبتا ان لا دولة، ولا مؤسسات، ولا مرجعيات شرعية، ولا قوانين يجري الاحتكام اليها. وهذا بالتحديد ما اثبت ايضا صحة مواقف من دعوا منذ سنوات طويلة الى نزع سلاحه، على قاعدة انتهاء “المقاومة” منذ امد بعيد، وتحوّل سلاحها غير شرعي، وقاتلاً في الداخل اللبناني وفي الخارج ايضا.
لبنان دولة فاشلة؟ ربما، ولكن الاهم من ذلك انه بلد تحت الاحتلال. احتلال داخلي مسلح يستدعي من الاحرار، كل الاحرار قيام مقاومة حقيقية لتحرير لبنان الكيان، والصيغة، والنظام، والتعددية، والحريات العامة والخاصة. عندما تقوم ميليشيا في دولة ما فتصير اقوى من الدولة، معنى ذلك ان البلد يصير دولة فاشلة. فما بالكم اذا ما صارت هذه الميليشيا قوة عسكرية تشنّ حروبا عابرة للحدود فتتورط في قتل ابناء شعب آخر؟
لقد بلغ لبنان الحضيض. فإذا كان مجلس التعاون قد تحاشى تسمية “حزب الله” منظمة ارهابية في بيانه الرسمي، فإنه اوضح عبر مسؤوليه انه سيتخذ اجراءات لا تتخذها الدول إلا بحق المنظمة الارهابية. ومع ذلك، بين الاستقلاليين في لبنان من يدعون الى حكومات ما يسمى “وحدة وطنية ” سياسية، مع ميليشيا صارت غالبية دول العالم تتعامل معها على قاعدة انها منظمة ارهابية. وفي الانتظار، لا انتخابات ولا حكومة ولا دولة.