#adsense

القصير.. حدود الدم (1/3)

حجم الخط
حان الوقت لنعترف أننا نعيش مرحلة تحوّل مخيفٍ في المنطقة، وهي مطابقة تماماً للتي عاشها أجدادنا في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مع الحرب العالمية الأولى، ثم عاشها آباؤنا وأجدادنا مجدداً مع الحرب العالمية الثانية، وها نحنُ نعيشها مجدداً أيضاً مع آبائنا وأبنائنا وأحفادنا في «حرب عالميّة ثالثة» إنما بالمفرّق لا بالجملة، وعلى القرنيْن الماضي والحالي مدار رسم الحدود والخرائط وزوال أنظمة ونشوء أنظمة وذهاب حكام ومجيء حكام، ونحن الآن في مرحلة تكريس الحدود النهائية بالدم السوري، وستليها مرحلة «التركي والإيراني وسيلحق بهما الخليج العربي، حيث الحكّام النائمون سيدخلون في سبات طويل يهزّ من تحتهم عروش الممالك والإمارات والمشيخات»!! وهاهي تركيا تستعد لخوض معركة تنهي «حقبة الإسلاميين» التي فشل تصديرها إلى دول الربيع العربي، وستلحق بها بعد حين قصير إيران، والكلّ «جايي دوره» في «حدود الدم» الجديدة!!
كان من أبرز نتائج الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في 28 تموز 1914 وانتهت في 11 تشرين الثاني 1918 انعقاد ما سُمّي بمؤتمر السلام أو مؤتمر باريس الذي عقد أولى جلساته في باريس 18 يناير 1919 تفكيك الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية بإجراء تعديلات على الحدود السياسية لدول أوروبا فظهرت على الخريطة الأوروبية دول جديدة وأجريت تغييرات جذرية في أنظمة حكم العديد من الدول، وانتهت الإمبراطورية العثمانية، وبدأ التطبيق الفعلي لمضمون اتفاقية سايكس ـ بيكو سنة 1918 ودخل العرب عصر الانتداب، وشجعت بريطانيا على دخول اليهود إلى فلسطين خلال فترة الانتداب بهدف تطبيق وعد بلفور الذي نص على إعطائهم وطناً قومياً [وضعوا 10 خطوط حُمْرٍ تحت كلمة «قومياً» فقد حان الآن وقتُ إعلانها] في فلسطين فأدى ذلك إلى صراع بين العرب واليهود.أما الحرب العالمية الثانية هي نزاع دولي مدمر بدأ في 7 تموز 1937 في آسيا و1 أيلول 1939 في أوروبا وانتهى في عام 1945 وأسفرت الحرب العالمية الثانية عن هزيمة الدكتاتوريات في إيطاليا وألمانيا واليابان وتراجعت مكانة القارة الأوروبية فلم تعد فرنسا وبريطانيا تهيمنان على العالم بل برز قطبان جديدان هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، فأنتجت الحرب الباردة التي نشهد استيقاظها اليوم على أرض القصير في سوريا، مثلما أنتجت الحرب العالمية الثانية للوطن العربي قضية ممتدة، منذ ذلك الحين وعليها مدار الصراع والمزايدة والممانعة وعلى اسمها وباسمها قامت أنظمة وسقطت أنظمة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رفعت بريطانيا النزاع العربي اليهودي في فلسطين إلى هيئة الأمم المتحدة وبدأت مأساة الشعب الفلسطيني عندما أقرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية في سنة 1947، وفي أيار العام 1948 أعلن الصهاينة قيام دولة إسرائيل.

في عام 2011 كشفت صحيفة «غلاسكو هيرالد» الاسكتلندية في تقرير لأحد الباحثين المهتمين بشؤون الشرق الأوسط ومصر والعرب عن خطة بعيدة المدي تهدف إلي حصار مصر ثم التهامها عسكريًا، وأن الولايات المتحدة بدأت تنفيذ المخطط منذ ثلاث سنوات من خلال سعيها لاحتلال إقليم دارفور غرب السودان دوليًا وعسكريًا من خلال نشر قوات أميركية بريطانية مدعومة بقوات من الأمم المتحدة حليفة لواشنطن مشيراً إلى أن هذا المخطط يستهدف تحويل إقليم دارفور إلى قاعدة عسكرية أميركية تنتشر بها صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى موجهة ناحية مصر ودول الشمال الأفريقي ومنطقة الخليج وإيران، وأكد تقرير الصحيفة أن الولايات المتحدة حددت سبع سنوات لتنفيذ مخططها الذي ينتهي موعده عام 2015 بعد أزمات سياسية ودينية وعرقية داخل مصر مما يؤدي إلى انقسام الشعب المصري ويجعل النظام عرضة لانتقاد المجتمع الدولي وفرض عقوبات عليه، والتدخل في شؤونها الداخلية من خلال بعض الطوائف أو منظمات المجتمع المدني أو الشخصيات المثيرة للجدل التي تعمل على تفكيك المجتمع المصري، ومن الواضح أن «حدود الدم» باتت جاهزة في مصر في انتظار الانفجار الكبير.

وما ذكره الباحث الأسكتلندي، أكدّه مقال آخر كتبه ونشره عام 2006 العميد رالف بيترز في مجلة القوات المسلحة الأميركية بعنوان «حدود الدم» حدد فيه ملامح خريطة شرق أوسطية جديدة حيث يفترض التقرير أن الحدود بين دول المنطقة غير مكتملة وغير نهائية خصوصًا في قارة أفريقيا التي تكبدت ملايين القتلى وبقيت حدودها الدولية بدون تغيير وكذلك الشرق الأوسط حيث شُكلت الحدود أثناء الاحتلال الفرنسي والبريطاني لهذه الدول في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والآن حان وقت تغييرها لتتلاءم «قومياً» و»مذهبياً» و»عرقياً»، أما دور القصير في هذا المشهد الدموي للحرب الباردة الأميركية ـ الروسية، فلها غداً قراءة مفصّلة.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل