كتب يوسف دياب في صحيفة “المستقبل”:
الصرخة المدوّية التي أطلقها الرئيس سعد الحريري، حيال التدهور الأمني الخطير في طرابلس، والنزف المستمر في أمن المدينة وأرواح أبنائها وإقتصادها ومؤسساتها، جاءت بمثابة ناقوس الخطر، المراد منه أن يخترق الآذان الصماء لعلها تتنبه إلى أن شرارة ما يجري في عاصمة الشمال، مدينة الإنفتاح والتعايش، مرشحة للتمدد إلى مناطق أخرى، وهي ستكون مولدة للفوضى في كل لبنان.
لا شكّ في أن الأحداث الدموية في طرابلس، أرست معادلة أمنية جديدة بدأت تترجم في السياسة كما هو حال التمديد للمجلس النيابي، وهو ما كان مدعاة لمناشدة الرئيس الحريري للدولة والجيش وكل الأجهزة الأمنية للتحرك العاجل، ووضع حدّ نهائي للفوضى واستباحة كرامات الناس قبل فوات الأوان، سيما وأن جولات العنف التي تحصد في كل مرة أرواح العشرات من الأبرياء دائماً ما تشتعل بأمر عمليات خارجي وتهدأ بأمر مماثل، وعدم القبول بتحويل حياة الأبرياء إلى صندوق بريد لبعث الرسائل إلى هذه الجهة أو تلك، ومحاولة المقايضة على أمن طرابلس في جبهات خارجية مثل القصير وحمص وريف دمشق، والآن جبهة حلب التي دخلها “حزب الله” بآلاف المقاتلين، وهو واقع كفر به الناس.
المشكلة أن من يتحكم بأدوات اللعبة في طرابلس، يظن أنه قادر على ضبطها في الحدود الجغرافية التي يرسمها لنفسه، ويعتقد أيضاً أنه يبقى الرابح الوحيد فيها نسبة إلى تفوقه عديداً وعتاداً وتسليحاً، ويصرّ على إغماض عينيه عن إمكان، أو بالأحرى تمدد الحريق إلى كل المناطق، وهنا يكفي الإشارة إلى الحوادث المتنقلة ومنها على سبيل المثال ما تردد عن حصول إشتباكات في جرود بعلبك بين مقاتلين من “حزب الله” وآخرين من الجيش الحر، وهي كافية لإسقاط مزاعم “حزب الله” بأنه يقاتل “التكفيريين” في سوريا، لمنعهم من الوصول إلى لبنان، وهو بذلك يستحضر الحريق السوري إلى الساحة اللبنانية، هذا الحريق الذي لن يسلم منه أحد إلى أي جهة إنتمى.
وإذا كان الفريق السوري ـ الإيراني في لبنان، صادقاً في دعوته إلى تحييد البلاد عن الصراع الدائر في سوريا، وذهابه بعيداً إلى حدّ دعوة اللبنانيين إلى التقاتل على الأرض السورية بدلاً من لبنان، (مع ان هذه الدعوات الخطيرة مرفوضة لأنها تبرر له ارتكاب جرائمه في القصير وغيرها) يبقى من المفيد السؤال عن أسباب إصرار هذا الفريق على تحويل طرابلس ساحة للتفجير، وتحويل ابنائها ومناطقها الفقيرة والمعدمة، وقوداً لجبهات قتال دائمة لا تهدأ، وإستضعاف هذه المدينة من أذناب النظام السوري الذين يهددون ويتوعدون بإحراقها يومياً، ولا يأبه هؤلاء بمناشدات فعاليات المدينة وأبنائها إلى ضبط السلاح “الميليشيوي” ونزعه، وأن يعهد إلى الجيش والقوى الأمنية الشرعية حفظ أمن المدينة، وكل أبنائها ومناطقها من كل الطوائف والمشارب والإنتماءات السياسية، ومواجهة هذه المناشدات بأكذوبة أن سلاح “التشبيح” المكدس في جبل محسن هو سلاح مقاومة مقدس يحظّر المساس به أو تجييره للدولة.
هذه الإعتبارات مجتمعة دفعت بالرئيس سعد الحريري، إنطلاقاً من دوره الوطني والسياسي إلى مخاطبة الجميع، ليس قادة المحاور ولا من يتلقون أوامرهم من خلف الحدود وينفذون تعليمات النظام السوري المتهاوي، إنما لوضع المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين والأمنيين أمام مسؤولياتهم التاريخية، وصرخة مدوية إلى أصحاب القرار، بأن يحزموا أمرهم ويتخذوا القرار النهائي والحاسم بوضع حدّ لتجار الموت، والعابثين بحياة الأبرياء، ولإسماع من يجب إسماعهم، بأن تبادر الدولة بمؤسساتها الشرعية من جيش وقوى أمنية إلى وقف المسلسل الإجرامي ووضع حدّ لأي تقصير، حتى لا تفلت الأمور من عقالها، ويقف الجميع متفرجين وشاهدين على إنهيار بنيان الدولة.
وتعليقاً على نداء الرئيس الحريري، رأى عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل” النائب السابق مصطفى علوش، أن “صرخة الرئيس الحريري أعقبت إتصالات أجراها بناء على معطيات تجمعت لديه، جزء منها متصل بالفساد السياسي، وكأن هناك أطرافاً مستفيدة مادياً من الصراع وباتت تتاجر في الدماء”. وقال علوش لـ”المستقبل”: “هذه المعطيات دفعت الرئيس الحريري إلى الإتصال بالقيادات السياسية، والطلب إلى قيادة الجيش وكافة الأجهزة الأمنية أن تقوم بدورها، والا سيكون هناك إعلان عن الأسباب ومن يتعمّد التقصير”. وأوضح أن “هناك 24 ساعة قادمة ستبيّن ما إذا كانت هناك جدية للمعالجة”، مؤكداً أن “أزمة جبل محسن ـ باب التبانة كان يمكن أن تعالج، لكن النظام السوري اراد لها أن تبقى بؤرة توتر، وقد راكم الفساد السياسي من مشكلتها”.
هذا الواقع قاربه الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد نزار عبد القادر، الذي رأى أن “القيادات السياسية هي التي تتحمّل المسؤولية عن أزمة طرابلس”. ويؤكد في حديث إلى “المستقبل”، أن “هناك أوامر وأجندات سرية لبعض القوى المتحاربة في طرابلس، منها ما يرتبط بسوريا كما هو حال القيادة العلوية في جبل محسن، ومنها من خلال سعي البعض إلى الحفاظ على زعامة ما في زواريب طرابلس، والمؤسف أن البعض يتسرع في تحميل الجيش مسؤولية عدم ضبط الأمور، أو إتهامه بالإنحياز إلى طرف ما”. ويقول : “ما يحصل في طرابلس يحتاج إلى حلّ في العمق ومعالجة أسبابه والتعامل معه بجدية”. ويوضح أن “الجيش لا يقوم بمهام فصل، إنما بمهمات حسم، إذ يدخل بمهمة يحسمها ويعود إلى ثكناته ليحافظ على هيبته وهيبة الدولة”.
ويؤكد عبد القادر أن “من يتحمّل مسؤولية ما يحصل في طرابلس هي القيادات السياسية الموجودة في موقع القرار أولاً، والأجهزة الأمنية من مخابرات وغيرها التي عليها أن تجمع المعلومات عن المخلين بالأمن والمسؤولين عن إطلاق النار وعمليات القنص والقصف وتعميم الفوضى وتزود بها القضاء ثانياً، ومسؤولية النيابات العامة ثالثاً”. ويسأل: “منذ بدء جولات العنف في طرابلس كم مذكرة توقيف أو مذكرة جلب أصدرتها النيابة العامة التمييزية أو النيابة العامة العسكرية أو النيابة العامة الإستئنافية في الشمال؟، حتى الآن لا شيء، علماً أن المسؤولين عن التفجير الأمني معروفون بالأسماء”، ويشدد على أن “الجيش يحتاج إلى تفويض سياسي لحسم الأمور، سيما إذا طلب منه إقتحام جبل محسن أو معاقل المسلحين في باب التبانة وغيرها”.
وتعليقاً على بيان الرئيس سعد الحريري يقول عبد القادر: “الرئيس الحريري ليس في موقع إتخاذ القرار لأنه اليوم خارج السلطة، ونداؤه هذا يبرّئ ساحة “تيار المستقبل” مما يجري على أرض طرابلس، ويؤكد بوضوح أن لا علاقة لتياره بما يجري في طرابلس، ويقول للدولة تفضلي وقومي بواجبك، ويدعو السلطة إلى أن تحسم أمرها وتضع حداً لهذا التفجير الخطير”، مذكراً بأن “بعض القوى النافذة في طرابلس ومنها رئيس الحكومة (المستقيل) نجيب ميقاتي لديه مجموعات مسلحة في منطقة باب التبانة، وتتلقى الدعم والتعليمات منه”. مشدداً على “اهمية توفير الغطاء الكامل للجيش للقيام بمهمة الحسم وليس بمهمة الفصل”.