يوماً بعد يوم، يضيّق “حزب الله” على اللبنانيين الشيعة الرافضين لاستعراض القوة المستمر في سوريا، والذي يودي بعشرات الشبان الذين زجّ بهم في ما سمّاه “الواجب الجهادي”، إذ يكتشفون بالتجربة القتالية التي يخوضونها في الأراضي السورية أن الأمر أصعب مما تخيّلوه وأنهم يدخلون الى أتون المعارك من دون ظهير، وحيث لا يمكنهم الاعتماد على قوات النظام السوري، التي تشهد انشقاقات حيناً وتنسحب من قلب المعركة أحياناً أخرى، لتبقى بزّات المنسحبين والمنشقّين نظيفة، فيما بزات مقاتلي الحزب تغرق بدماء أطفال القصير والأبرياء الذين يتم قصفهم بأحدث أنواع الصواريخ التي كان وعد الأمين العام للحزب حسن نصر الله بأن تطال ما بعد بعد حيفا، فإذا بحيفا تقع شمال لبنان لا جنوبه، إذ إن البوصلة الإيرانية غيّرت الاتجاهات، وجعلت من مقاتلي “المقاومة المفترضة” مجرد عناصر من “المرتزقة” يستعين بهم بشار الأسد للإبقاء على سلطة عائلته، أياماً قليلة.
تجربة قصيرة بيّنت الصورة الحقيقية للحزب الإلهي، فحجة الدفاع عن القرى الشيعية على الحدود اللبنانية السورية سقطت، وحجة الدفاع عن مقام السيدة زينب لا تدخل عقول العقلاء من الشيعة، وحجة قتال التكفيريين والهجوم الاستباقي لمنع المؤامرة ستعود بالويل على آلاف العائلات الشيعية التي يعمل أبناؤها في الدول الخليجية بعد إدراج الحزب على لائحة الإرهاب كما في أوروبا، وأي منفذ لم يعد موجوداً سوى العودة عن القرار الانتحاري الذي يتخذه الحزب بشن حرب في سوريا بالنيابة عن شبيحة بشار.
بعد فشل الحزب في إسقاط القصير خلال 72 ساعة، كما كان يجري الترويج له، وصمود ثوارها أمام آلة الحرب السورية الإيرانية الروسية، لا بد من إجراء مراجعة لمنع المزيد من الخسائر في صفوف الحزب الذي يضلل شباب الجنوب والبقاع والضاحية ويسوقهم الى موت مجاني من دون أن يرحم دموع أمهاتهم وعذاب الآباء الذين يخسرون سند حياتهم، رغم مكابرة البعض على وسائل إعلام الحزب الذي يحاصر أهل القتلى مما يضطرهم الى لجم عواطفهم وإظهار ضعفهم الإنساني الطبيعي أمام خسارة لا يعوّضها المال الإيراني مهما زادت نسبة الدولارات المدفوعة.
الذي يعيش في البيئة الشيعية يدرك أن هناك حالة تململ، لم تصل بعد الى إعلان صريح عنها، سوى على صفحات الفايسبوك، حيث تكثر التعليقات الرافضة لتدخل “حزب الله” والمؤيدة للثورة السورية، ويظهر ذلك من خلال الصفحات والمجموعات التي تنشأ وتعلن موقفها المتضامن مع الشعب السوري، ويتداول خلالها الناشطون الفايسبوكيون المعلومات والأخبار ويضعون تعليقاتهم على الأحداث وكلها تشي بأن هناك بيئة شيعية قوامها يساريون سابقون ومستقلون وشخصيات ثقافية وفاعليات اجتماعية ومدنية كان لها دور مؤثر قبل هيمنة ثنائي “حزب الله” “أمل” بمؤازرة سورية وقرار إيراني مغلف بطابع ثوري خادع اسمه “مقاومة” على الساحة الشيعية، وهي اليوم صار بإمكانها رفع صوتها بعد أن سقط قناع المقاومة عن “حزب الله” ولم يعد بالإمكان توجيه تهمة التخوين لهؤلاء وتنفيذ اغتيالات وعمليات تطهير تحفظ الدويلة القائمة وتمنع حرية إبداء الرأي والموقف. ورغم ذلك فإن ما جرى مع عائلة علّيق في يحمر ومن تهديدات يتلقاها عدد من الناشطين نتيجة مجاهرتهم بمواقفهم المعارضة لتدخّل “حزب الله” في سوريا يجعلهم حذرين في تحركاتهم، لا سيما بعد أن وضع الحزب مراقبين عليهم في كل بلدة، كما يفرض مراقبة داخل المنازل التي تجري فيها التعازي بمقاتلي الحزب الذين يسقطون، عدا عن زرع عناصر أثناء عمليات التشييع، مما يلجم الأهالي المعارضين عن إبداء حقيقة مشاعرهم خوفاً من التعرض لهم.
يرى أحد الناشطين الشيعة على صفحات التواصل الاجتماعي أن “أخطر ما فعله حزب الله أنه استطاع أدلجة طائفة واختصرها بحضوره حتى بات الوعي الموالي له لا يقبل بأقل من الولاء التام في الوقت الذي تضج فيه المنطقة بالرفض والاحتجاج والثورة”، ويجد آخر أن “ما يجري في القصير من إرسال مقاتلين من لبنان نتيجة ثقافة الخط العسكري”، بينما يشدد أحدهم على أن حزب الله يدفع الشباب الشيعي للقتال في سوريا ويرهب المعترضين على الحرب ويقول لهم بالحرف: “يا ويلكم إذا سقط شهيد من بلدتكم… الأهالي سيقتلونكم”، إنه ترهيب على الطريقة الإلهية حتى لا يتنفس أحد بموقف معارض لـ”حزب الله”.
التهديد يستمر وأحدهم يستحضر ما جرى سابقاً ويؤكد “أخطر ما في “كاتم الصوت” الجزع والانكفاء، فليس كاتم الصوت هو ذاك المسدس الشهير الذي يقتل على “السكّيت” بل هو الترهيب والتهديد والابتزاز والوعيد”، ويستدرك “المنكفئ يؤدي أكبر خدمة لحملة السواطير في مواجهة القلم، فلا مناص لنا من الهجوم ورفع الصوت وكشف المعتدي وتعريته أمام الناس”، يضع أحدهم تحذيراً “الهستيريا والرعب الصامت يخيمان على الجنوب، حالة احتقان وترهيب تشبه ما سبق حقبة الاغتيالات والتهجير خلال الثمانينات”، وآخر يعلن “لديّ عدد من الأسماء ممن تلقوا تهديدات من حزب الله بوجوب الصمت وإلا”.
هناك حالات ترهيب يوثّقها الناشطون حالياً، ولا أحد من المهدَّدين يجرؤ على طلب الحماية من القوى الشرعية، لأن الأجهزة الأمنية الموجودة في أماكن هيمنة الحزب لا تجرؤ على تحرير محاضر بالاعتداءات، ولا سيما أنه في بلدة جبشيت على سبيل المثال تم نزع سلاح دورية للدرك وأطلقت النار من السلاح المصادر, وأمام سرايا النبطية منع فرد من حزب الله عناصر القوى الأمنية من الدخول وعاد من حيث أتى بعد إهانتهم.
كل المؤشرات تؤكد أن الأوضاع تزداد خطورة على أمن المواطنين المعارضين لسياسة “حزب الله” في تدخله في سوريا وحياتهم، وربما مع تزايد قتلى الحزب سيزداد التضييق على هؤلاء لاقتلاعهم من منازلهم حتى لا يشكلوا خطراً على المشروع الإيراني الذي يديره “حزب الله”. والسؤال المطروح: هل تتحرك الدولة لحماية مواطنيها أم تتركهم عرضة للخطر الفارسي وإن ارتدى لبوساً لبنانياً؟