بإجماعها على “التمديد” للمجلس النيابي الحالي تكون معظم القوى السياسية اللبنانية قد سلّمت بأمور ثلاثة.
أولاً، في ما عنى “السلاح”، أي بمعنى أشمل منظومة “حزب الله” الارتباطية والتعبوية والقتالية وليس فقط ترسانته وعديده، ثمّة إجماع ضمنيّ على أنّ دعوة السيد حسن نصر الله الى “الاقتتال في سوريا وتحييد لبنان” تحتوي “نواة عقلانية” مضمرة، وهي أنّ “طاولة الحوار” الفعلية على سلاح “حزب الله” هي تلك التي يدشّنها هذا الحزب بتورّطه بهذا القدر، وهذا الشكل في سوريا، واختياره الطوعيّ قطع “خط الرجعة” في هذا المجال.
المفارقة هنا، أنّه “السلاح” نفسه الذي أوجبَ، بل فَرَضَ “التمديد” للمجلس، نظراً الى ممارسته دور “الناظر على القانون الانتخابي”، وتقريره ما يجوز وما لا يجوز، بصرف النظر عن تبدّلات الأكثرية والأقلية داخل المجلس. طبعاً، وجد هذا السلاح في الهشاشة السياسية اللبنانية وحال الترهّل العامة مرتعاً خصباً له، خصوصاً وأنّ المسلك الذي طغى خلال الأشهر الماضية كان يشير إلى أنّ كل فريق يبحث عن القانون الانتخابيّ الذي يناسبه، وليس على القانون الذي يمكن أن يحتكم اليه متخاصمان للمنازلة الديموقراطية في ما بينهما. وهنا لا بدّ من التشديد على أنّه لئن كانت مقولة “قانون انتخابي يحقّق الانصهار الوطني” هي مقولة اعتباطية بالضرورة، فإن مقولة “قانون انتخابي يضمن صحة التمثيل” هي غير كافية، لا بل مسؤولة في سياقنا هذا عن انسداد الأفق. فالقانون الانتخابي السليم في بلد معيّن هو الذي يؤهّل عملية المنازلة الديموقراطية لتكون عملية تداول على السلطة، وليس الذي ينطلق من واقعة أنّ ثمّة أحجاماً سياسية ثابتة لهذه القوة أو تلك ولا بدّ أن تمثّل.
ثانياً، في ما عنى “الحياة السياسية”، تكون القوى كافة قد أجمعت على أنّه لم يعد هناك موضوعياً، وحتى إشعار آخر، أي “حيّز” محلّي، وأنّه خاضع بكليته للمتغيّرات الإقليمية، وللإرادات الإقليمية، بما في ذلك عدم المبالاة، أو عدم الإكتراث الإقليميّ أو الدوليّ.
أما المفارقة هنا، فإنّ هذا الانعدام الكليّ للوزن الداخليّ، يجعل اللاعبين السياسيين يظنّون أنّهم قادرون على الطيران، والصعود إلى “العالمية”، وأنّ ثمة مسرحاً سياسيّاً واحداً يجمع كل اللاعبين على خشبته، من وئام وهّاب حتى باراك أوباما. وهنا صار تتبع اللبنانيين، سياسيين ومراقبين ومواطنين، للأحداث الجارية من حولهم في الإقليم، وباستثناء المتدخّلين مباشرة في النزاع الميداني في سوريا، يشبه المتابعة التلفزيونية لمباريات كرة القدم. فالمتابعة المتحمّسة لهذه المباريات تجعل المشاهد يستسلم للإيقاع، لتنقّلات الكرة، لكن التشويق سرعان ما يفعل فعله، فيظنّ أنّه بتشجيعه لهذا الفريق أو ذاك إنما يساهم في مسار الأمور في الملعب، ثم يظنّ نفسه لاعباً إضافيّاً سرّياً، بل مدرّباً ومخططاً للدفاع والهجوم، خصوصاً أنّه يرى ما لا يراه اللاعبون الحقيقيون، أي يرى صورة الملعب ككل. هكذا هم اللبنانيّون في عمومهم اليوم حين يتناولون الأحداث حولهم.
ثالثاً، يسود إجماع “وطنيّ” على أنّ مركز الصراع ليس في لبنان الآن، وأنّه بالتالي من الضروري “تأجيل” صاعق الإنفجار الذي يداهمه، بمجرّد انتهاء المهلة الدستوريّة لولاية المجلس الحاليّ.
إلا أنّ المفارقة هنا، أنّه يمكنك أن تتفق مع غريمك على أنّ تأجيل الانفجار اليوم، لكن هل يمكنك أن تتفق معه على المدّة التقريبية التي يؤجّل فيها الانفجار؟ مستحيل. أمّا السؤال الذي لا سبيل للإجابة عنه: هل أنّ التمديد للمجلس الحالي سوف يتحوّل إلى عنصر إضافي ضاغط باتجاه الاطاحة بـ”استقرار الحدّ الأدنى” الحالي؟ الإجابة هنا غير سهلة. لو كان الأمر محصوراً بتأجيل الانفجار يوماً بيوم، لكانت الإجابة ممكنة بـ”نعم”، أمّا التمديد لـ”سنة ونصف” فهي مخاطرة بتحميل النظام السياسيّ اللبنانيّ الهشّ للغاية وزناً زائداً من “انعدام الشرعية” لا يمكن أن يتحمّله.
وفي كلّ الحالات، ليس ما يضمن أن توافق متغيرات الواقع إجماع القوى اللبنانية على أنّ الوضع الداخلي صار “مؤقلماً” أكثر من أي وقت مضى، وإجماعها على أن ما تفهمه من المشرفين أو غير المكترثين الدوليين والإقليميين بحال البلد، هو أنّه لا وقت لتفجير الصاعق فيه الآن.