#adsense

.. وشرد قطيع الجنرال

حجم الخط

 

لم يتخلَّ رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون عن لغته المعتادة من على منبر الرابيه كل ثلاثاء، إلا من أجل استبدال الحديث عن “هونيك شغلة” بكلام عن “الراعي وقطيع الغنم”. أول من أمس، أطل الجنرال على الشاشات مستعرضاً العقد واحتمالات حلحلتها بقليل من التوقّعات والقراءات الاستنسابية.

وعلى الرغم من أنه رئيس “التيار”، إلا أن الجنرال يسير عكس التيار والواقع معاً. فلا يكون متوافقاً إلا مع نفسه حتى يُبعد الوفاق بينه وبين شركائه في الوطن، ثم لا يلبث أن يتوافق مع طرحهم حين يجد هؤلاء أن الحلّ يكمن في مكان آخر. باختصار، إن الجنرال مثل “اللي رايح ع الحج والناس راجعة”، فهو يتحدث عن الانتخابات النيابية على أساس أن الوضع ملائم لإجرائها، وهل هناك ما يناسب الجنرال غير الظروف الأمنية التي يتعثّر فيها مسار الدستور، فيقع الفراغ؟ فبعدما شغر موقع رئاسة الحكومة في العام 1989، ما الذي يمنع من شغور موقع رئاسة المجلس في العام 2013؟

وقال عون حول عدم استقالة النواب العونيين من المجلس “لن نسمح بفلتان قطيع الغنم وسنبقى على رأسهم”، متسائلاً “إذا كان هناك قطيع غنم أو ماعز وشرد هل يتركه الراعي أم يعيده الى الزريبة؟ نحن وفي المجلس لا نستطيع تهدئتهم كيف إذا “فلتوا”؟” وهذا المشهد ليس مأخوذاً من فيلم وثائقي عن كيفية تعامل راعي مع غنم قطيعه وكيف يقودهم الى “الغابة” ليرعوا العشب ثم كيفية إعادتهم الى الحظيرة، وبالتالي فإن أولئك “الغنم” مسيّرون بأمر من الراعي الذي يتفرّد وحده باتّخاذ القرار.

يرفض الجنرال فكرة استقالة نوابه من المجلس، مشبّهاً النواب، أي ممثلي الشعب اللبناني، بالغنم وكأن عون يمسك بمفتاح الحظيرة وكأنه صوت الضمير الحيّ الذي يتردد في قلب كل مواطن صالح، أو كأنه منزّه عن الأخطاء وممسك بزمام الأمور، يراقب بعين “الراعي الصالح” الغنم ويحاسبهم بأن يتركهم طعاماً للذئاب. يظنّ عون أن نظرته الى الأحداث وقراءته للوقائع لا تخطئ، وكأنه يقرأ “الممحي” كل ثلاثاء، لكن فات الجنرال أنه، استناداً الى مفهومه عن الغنم، فإن القطيع يطيع الراعي، ويكون بذلك يصرّح بأنه يفرض على نواب تكتله نوعاً من التبعية التي لا يمكن لأي عضو أن يعترض على ما لا يتناسب ومنطقه، والدليل أنه خسر الكثير من الأعضاء وقسماً كبيراً من الجمهور.

وقد فات الجنرال أن قطيع “الغنم” لا يعترض، ولا يرفض، بل ينصاع ويخضع.. فهل يذكر يا ترى الجنرال كم من مرة تمنّى وحلم أن يأتي به “الغنم” رئيساً للجمهورية؟ فلو كانوا بالفعل كما يصفهم، لكان احتفل اليوم بعامه الثامن على رأس الجمهورية.. وإن كانت هذه النظرة للنواب وبالتالي الى الشعب، تعيد للجنرال ثقته بنفسه من خلال التقليل من أهمية الإنسان الآخر، فإنه لمن الأهمية أن يتنبّه نواب تكتل الجنرال الى أن الأغنام هي الأضحية المفضّلة منذ عهد التوراة.

يُرضي الجنرال نواب تكتله حين يصفهم بالرعاة وكأنهم يشاركونه مهمة تحرير المجلس النيابي ممّن ليسوا من فئتهم، إنهم إذاً 27 راعياً يراقبون الشاردة والواردة ويسهرون على تأمين الكهرباء للبنانيين والمياه والإنارة على الطرق والحياة الكريمة، يسكتون عن ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية، يتحالفون مع الحزب الذي تسبب بحروب لبنان وكبّد الخزينة أموال الترميم والإعمار، فهل يوقّعون لهذا الحزب “الإبراء” على “بياض”؟ 27 راعياً، يقودون البلد الى المجهول، يقبلون أن يصف جنرالهم اللبنانيين بالغنم، وحدهم الرعاة لأنهم لم يتجرأوا على معارضته مرة، 27 راعياً لا يجدون أي خطأ أو حرج في التحالف مع حزب يقتل الشعب السوري وسبق أن اجتاح بيروت وهو متّهم بجرائم عديدة وقعت في دول العالم والاغتيالات التي حصلت في لبنان..

وإن استمدّ الجنرال تعبير “الراعي والغنم” من كتاب الإنجيل المقدّس، فقد ذكر في الكتاب مثل “الخروف الضال” وخلاصته أن “طريق الرجعة” دائماً موجودة وأن توبة شخص واحد أفضل من أفراد يعتبرون أن لا حاجة الى التوبة، علماً أن الخروف الضائع أو الضال لا يمكنه مساعدة نفسه.. إنما إن كان الجنرال استخدم هذه التعابير لما توحيه فعلياً في اللغة العربية، يكون هذا دليلاً قاطعاً على أن عون فقد الأمل في الوصول الى كرسي الرئاسة.. وليس أخطر من “فلتان” النواب سوى “فلتان الملقّ”!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل