النّظر في توزيع الناس وتنوّعهم في مجتمعات العالم يؤكّد وجود أكثريّات وأقليّات مختلفة الأصول والثقافة والمُعتَقد. فمن المُستبعَد الوقوع على مجتمع أحاديّ العِرق والمذهب واللّهجة. لكنّ هذا التنوّع يستتبع طرح قضيّة الإندماج والإستيعاب، والتي كانت نتائجها متفاوتة بشكل كبير بين دولة ودولة وبين أمّة وأمّة. وقد تبدّى ذلك في بروز الشّعور الحادّ بـ”الإقلّويّة ” في أمكنة، وبعدم الإحساس به مُطلقاً في أماكن أخرى، تِبعاً لمستوى التّفاعل بين المجموعات المُتعايشة، ولمستوى توغّلها في الحضارة.
في العالم العربي شرائح إجتماعيّة بانوراميّة التوجّه، لمّا تزل محكومةً بنظام المِلَل. من هنا، فالتعايش بينها، إن لم نقل التّساكن، يحكمه قانون الطوارئ وتراكمات التعصّب والفوقيّة العدديّة. وقد جاءت العوامل السياسية والإقتصادية المُتعاقبة لتصبّ زيت العِدائيّة على نار الخِلافا، فتراجع مُؤشّر الإندماج وتفاقمت مشكلة التناقضات، وتعدّدت مصادر الإضطراب والتوتّر، ما أدّى الى عدم الإستقرار وتجاوز ذلك الى ممارسات قمعيّة من جانب الأغلبيّات المشحونة بالعزف على الوتر الطّائفي. هذه الحال التي عايشها أكثر دول عالم العرب، أو فرضها، يُخشى أن تستمرّ بعد الرّبيع العربي إن لم يسارع التجاوزيّون الى أنتزاع المبادرة من الرّجعيّين الأصوليّين الذي شوّهوا أهداف الحراك الشّعبي التّحرّري، وعملوا على إعادة عقارب الزّمن الى عصور الظّلام.
هذا الواقع ، وإن جرى تمويهه أحياناً بانفتاح صُنّاع السياسة الذين اعتبروا الأفراد مواطنين متساوين في الحقوق، قد ساد في الفسيفساء العربية، وكان أبرز تداعياته انهيار منظومة حقوق الإنسان وانتهاك الحريّات وإقصاء الفئات الضامرة العدد عن المشاركة في صنع القرار. وإذا وقعنا على حالة من نوع المشاركة، فهي إنتقائيّة وعابرة ليس إلاّ، وهي خطّة ترويجيّة لديمقراطيّة المجموعة المهيمنة، ديمقراطية مزيّفة تستر ديكتاتوريّة منغلقة ذات إستراتيجية سافرة قوامها نبذ التعدّدية والتخلّص من الأقليّات، طوعاً أو قسراً.
لا تزال الديمقراطيّة رخوةً هشّةً في العالم العربي، ربّما عن قصد، ولا تزال حقوق الإنسان تنتظر فرصةً لتناميها في أرض ليس مبدأها الأساسي احترام التنوّع الحضاري. وهذا جليّ في انحسار إمكانيّات المساواة والتكافل والتكافؤ في الحياة السياسية والإجتماعيّة، ما يضمن استمرار العنصريّة والتمييز المُنَظّم بين “درجات” الرعايا. وقد أورث هذا الواقع شعوراً بالظّلم لدى الإقليّات التي شاركت في الإنتفاضات على الحكم “غير الرّشيد” الذي لم يراعِ منطوق المواثيق الدولية المتعلّقة بحقوق الإنسان، ولا سيّما حقوق الأقليّات. وقد اعتبرت الأغلبيّات العربية المتسلّطة هؤلاء الأقلويّين من غير السلالة العربية، فتستّرت على اضطهادهم وهمّشت دورهم وأطبقت على حقوقهم وتعاملت معهم كلاجئين.
غير أنّ الشرائح الأقلّويّة التي لم تغب عن مكوّناتها عناصر المواطنة، لم تعتبر نفسها يوماً حالة مقيمة لأَجَل، أو مجموعة “أجنبيّة” بحاجة الى حماية لكونها من غير السكّان الأصليّين. وبالتالي فالجدل المُثار حول قضيّة الأقليّات، يضعف حتماً الشعور بالإنتماء وينمّي بالمقابل مشاعر الإنفصال والشكّ والعزلة، ويدفع الى صراعٍ إثنيّ وعرقيّ، الأمثلة لدعمه لا تفوت ثاقبي النّظر. لذلك، يواجه مجتمعنا أزمة متعدّدة الجوانب، منها ما يتعلّق بالأغلبيات المتشنّجة التي لطالما غيّبت الديمقراطيّة وصادرت حركة الحقوق، وأنتجت إستبداداً حرم رعاياها حقّ التمتّع بمواطنيّتهم من خلال التمتّع بالمجاهرة بأديانهم وبإقامة شعائرهم والمحافظة على خصائصهم والمشاركة في الحياة العامة وقراراتها. ومنها ما يتعلّق بالفئات الأقلويّة التي
عليها أن تدرك أنّ حقوق الإنسان هي قضيّة التزام لا قضيّة إمتياز، وهي تجاوز لخلفيّات الإستبداد وليست إعادة إنتاج لها. والأقلويّون مواطنون كغيرهم، وهم تحت مِظلّة القانون والإنسجام الوطني، وينبغي أن يواجهوا الإنتهاكات على مستوى وجودهم واستمرارهم واسبقرارهم، وألاّ يملّوا من المطالبة بحقوقهم الدستوريّة والميثاقيّة بالطّرق المؤاتية، فهم ليسوا عبئاً على الدولة بل عرق من عروقها ويجب أن ينعموا بالعدل والمساواة والحرية واحترام الحقوق.
يقول غاندي: “الحكم على حضارة ما يجب أن يعتمد على معاملتها للأقليات الموجودة فيها”.