استفاق اللبنانيون والعالم أمس على حقيقة واحدة، وهي أن القصير سواء سقطت في يد النظام السوري و”حزب الله” المزدوج الجنسية (لبناني إيراني)، فإن قصة صمود بطولية عاشتها هذه المدينة الحرة وريفها سترويها الأجيال وستنتعش ذاكرة الجميع حين تحكي الجدات للأحفاد ما جرى ليلة الخامس من حزيران في العام 2013، من قصص عن المقاتلين الثوار الذين دافعوا عن أرضهم بوجه محتل غاصب قدم من دولة مجاورة لدعم ديكتاتور ظالم ضد ثوار أرادوا أن يكتبوا تاريخاً جديداً في بلادهم، ثوار من أجل الديموقراطية والحرية والكرامة، ستروي الجدات سيرة المجازر التي ارتكبت بحق الآمنين وعذابات الجرحى وأصوات الأنين التي لا تزال تلاحق أولئك الذين أعلنوا النصر في الصباح الباكر ووزعوا الحلوى في الضاحية الجنوبية تعبيراً عن نشوة مسروقة لا متعة ولا إمتاع فيها، وحيث تغلّبت مشاعر الجنون على كل ما عداها بعد أن تم الرقص على جثث دفنت تحت التراب أو حول أرواح أطفال صعدت الى السماء بعد بكاءات الألم من الأجساد الصغيرة.
إنها قصة القصير التي صمدت أسابيع ثلاثة أمام الهجومات المتكررة لـ”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” بمساندة روسية واضحة سياسياً وعسكرياً، ثم سقطت ولم تسقط، بل تحوّلت الى أرض ملغومة تفجر يومياً بطولات جديدة ضد القوى المحتلة، لقد كلّفت معارك القصير قوات النظام السوري و”حزب الله” مئات القتلى وآلاف الجرحى حتى الآن والحبل على الجرار، والأيام المقبلة ستظهر أن معركة القصير لم تنته بعد بل هي مستمرة ولن يكون لها نهاية إلا بانتصار أصحاب الأرض المقاومين الحقيقيين دفاعاً عن عائلاتهم وبيوتهم وممتلكاتهم ودفاعاً عن حلمهم بسوريا حرة وديموقراطية وإسقاط نظام “البعث” الذي كذب عليهم دهوراً، معركة القصير وحربها ضد “الحزب الإلهي” تؤكد أن لا شيء طوي، وما جرى تداوله من معلومات بعد انفضاح الصورة الإعلامية نفسها المكررة، أن الثوار في الميدان ولم يغادروا، وهم يخوضون معارك كرّ وفرّ ضد العدو ويؤكدون استمرارية الثورة وأن الجبهات ما تزال مفتوحة وجولات القتال ستتصاعد الى أن يصبح النصر نصر أصحاب الحق لا نصير مقنعي “المقاومة”.
بالأمس كانت حكايات القصير على صفحات “الفايسبوك” تنتشر بسرعة البرق، المشاعر الإنسانية تفيض تضامناً مع أهل القصير، الغضب يسطع حين تبث صور توزيع الحلوى وشعار “سقطت القصير” في الضاحية، التعليقات لا تتوقف على هذه المهزلة السخيفة ممن أصبح قتالهم في سوريا خطراً عليهم وعلى كل لبنان… يهرب البعض الى الشعر وآخر الى التحليل والبعض الى الاستقصاء والكل مشغول بحب المدينة والمنطقة، يؤكد أن الاحتلال لا يدوم…
“ستعود سنابلك أكثر انحناء
وريفك سيكون أكثر فرحاً يا قصير
غداً
بلابلك أكثر
فلاّحوك أكثر
زغاريد النسوة أجمل”.
يكتب جمال شحرور ليعطي أملاً مفقوداً بعد إعلان سقوط القصير بلحظات، ويؤكد علي سلامة “في القصير سيكون ليل عصابة القتلة طويل”.
يستنجد أحد شباب الضاحية الجنوبية المعارض بأبيه وأمه قائلاً: “أصبحنا مكروهين… هل من معين؟”. ويسأل آخر “بالله عليك كيف تحتفل منتصراً بقتل أخيك؟”، فيما يوضح أحدهم “حزب الله يعترف عملياً أنه وجيش بشار قوة احتلال في القصير، فعبارة “القصير سقطت” التي فاخرت بها زمر “حزب الله” في الضاحية الجنوبية، تعني أن القصير سقطت بيد الاحتلال وليس تحررت وتذكروا أن ما من احتلال يدوم”.
ويعلق صديقه “الشيعية السياسية من حديثي نعمة الانتصارات (مع انتصار الثورة في إيران)، وطبيعي أن يوزع “حزب الله” الحلوى بعد كل انتصار، ويقول للعالم: “شوفوني، نعم أنا أنتصر”.. تصرف مماثل لتصرف حديثي النعمة “شوفوني، نعم أنا آكل وأشرب وعندي شقة وسيارة فخمة”.
ويُعرب أحدهم عن اعتقاده أنه “من الحماقة الحديث عن أي شيء يتعلق بالتقارب والتسامح بين المذاهب لقرون عدة مقبلة، وهذا بالضبط ما كان يتمناه الغرب وحققته إيران وأذنابها”، بينما يسجل أحد الناشطين اللبنانيين قوله “لا أشعر بالحزن والقهر على احتلال القصير فالمعارك كرّ وفرّ.. أشعر بالقهر والحقد على من يوزع البقلاوة في شوارع الضاحية فرحاً، على من يقول أن زينب تزغرد في مقامها فرحاً… أشعر بالرغبة في الانتقام من هذه الوحوش”.
يستدرك أحدهم بالتذكير “منذ 1400 سنة والشيعة يتوارثون حقد ما حصل بهم في كربلاء وما يقوم به “حزب الله” في القصير وفي كل سوريا سيولد حقداً على الشيعة سيتوارثه السوريون لآلاف السنين”.
وعن سير المعركة في القصير، يجري بث المعلومات والتعليقات لا تنتهي والدعوات الى الصبر لاستجلاء الحقائق بعيداً عن إعلام “ولاية الفقيه” و”البعث”، يدعو أحدهم الى الانتظار “لم تسقط القصير بعد، الأرض التي يغزوها القتلة تلفظهم ولو بعد حين”، ويؤكد “الغريب ليس سقوطها وهي لم تسقط بعد.. الغريب هو صمود أبطالها كل هذا الوقت”. ويٍسأل آخر “لو كسب نظام العصابة وميليشيات الولي الفقيه الصراع عسكرياً فما هي نتائج هذا الكسب؟ هل يستسلم السوريون الأحرار لخامنئي والأسد ويركعون طلباً للعفو؟”، ويجيب “طبعاً لا هو كسب يشبه مكسب السارق موقت ولا معنى له”.
تشير مروى أن بعض الأغبياء يقولون “مبروك تحرير القصير”، وتسأل “هل يحتل السوريون بلدهم وحزب الله المحرر، القصير منطقة سورية وليست لبنانية لكي يحررها حسن نصرالله ثم ممن يحررها من هو العدو؟ الشعب السوري فعلاً هزلتم”.
يكثر الكلام… تزداد التعليقات وتبقى الحقيقة التي يقولها أحد الشباب المعارض من مجموعة “سلمية سلمية” المطاردون من قبل النظام والمشتتون في الداخل والخارج: “خسرنا مكاناً وربحنا مكانة.. ليس على الثوار دائماً البقاء في الجغرافيا، فيما هم يكتبون التاريخ، المعركة لا تنتهي لا بالقصير ولا في غيرها، يعترفون بخسارة معركة، لكنهم متفائلون بالمستقبل، لأن جدار الخوف إمحى ورهبة الموت تلاشت وإرادة الحياة مطلقة”.
نعم المعركة لم تنته. في السابق جرت معركة بابا عمرو وقيل أنها أم المعارك سقطت، لم تكن المعركة حاسمة ولم تتوقف الثورة والنظام لم ينتصر، القصير اليوم سواء سقطت كلها أم لم تسقط خسارة جولة في حرب.
