إيران وأذرعها في وُحول فيتنام السورية؟

عندما كان السيد حسن نصر الله يلقي خطابه معلنا دخول المعركة إلى جانب النظام السوري، كانت وزارة الخارجية الإيرانية تصدر بيانا تعلن فيه أنها لم ترسل قوات إلى سوريا. بدا الأمر مفارقة في غاية الغرابة، وخصوصا في ظل ما تردد عن أن طهران هي التي دفعت حزب الله إلى التدخل «بكل قوة ومهما كان الثمن» لمساعدة الجيش السوري المنهك، في وقت تزايدت فيه مؤشرات اندحاره عندما ترددت أنباء عن فتح معركة دمشق.

قبل ذلك كان حزب الله ينزلق تدريجيا إلى الرمال السورية المتحركة التي يبدو أنها ستتحول في النهاية إلى فيتنام قاسية جدا، سيتمرغ الإيرانيون وكل أذرعهم العسكرية، أي الحزب و«عصائب أهل الحق العراقية»، في وحولها، وقد بدأ التدخل عبر المناوشات في منطقة عكار الحدودية بذريعة الدفاع عن القرى الشيعية، ثم عبر «الدفاع عن المقامات الدينية»، رغم كل ما قيل عن أن هذه المقامات لها حرمتها واحترامها عند الجميع، ثم جاء الإعلان صريحا عن أن حزب الله يدخل المعركة بكل ما يملك من القوة بهدف «حماية ظهر المقاومة والحيلولة دون انهيار النظام السوري» الذي يشكل شرفة إيرانية مهمة لبقاء المسؤولين الملالي على تماس مع القضية الفلسطينية التي يتلبسونها لاختراق المنطقة العربية، ولإبقاء نفوذهم على شواطئ المتوسط، بما يدعم أوراقهم التفاوضية في المسألة النووية.

الرهان على تحقيق نصر سريع في مدينة القصير المحاصرة لم يكن موفقا؛ فاستعادة هذه المدينة المدمرة التي تشبه ستالينغراد كانت مكلفة، والقصير ليست أكثر من شجرة في غابة من النيران المندلعة، وهي بوابة إلى الوحول السورية المتحركة، وسوريا في المناسبة تساوي 18 ضعف مساحة لبنان، وستة أضعاف عدد اللبنانيين، فإلى أي رمال دموية متحركة دخل حزب الله، وخصوصا أن دخوله يؤجج علنا الأبعاد المذهبية التي كان الصراع قد بدأ يرسمها، أولا بسبب وحشية النظام الذي تمادى في التصفيات الجماعية وحمامات الدم، وثانيا بسبب التدخل الإيراني بالسلاح والرجال في وقت كرر فيه علي خامنئي أنه لن يسمح بسقوط الأسد، وصدرت تصريحات مستفزة تقول إن سوريا هي الولاية الإيرانية رقم 35!

بعد أقل من عشرة أيام بدا أن دخول حزب الله المعركة في سوريا لن يحمي ظهر المقاومة، بل يكشفها كما لم يكن من قبل، والدليل أنه بسبب استضعافه الدولة اللبنانية اضطر الحزب إلى اتخاذ تدابير احترازية وإجراءات أمنية في مواقعه في الضاحية والجنوب والبقاع، ليس بسبب بعد سقوط الصاروخين على الضاحية فحسب، بل لأن النار السورية اقتربت أكثر من الهشيم اللبناني، حيث تطل جبهة بعلبك بعد جبهة عكار، ويرتفع الاحتقان المذهبي في صيدا والبقاع الغربي، بينما تبدو طرابلس غارقة في حربها الأبدية التي شهدت حتى الآن انهيار 17 اتفاقا لوقف النار.

لست أدري إلى متى يمكن حزب الله الركون إلى بيئته الحاضنة ليحمي ظهره أولا إذا كانت إيران تناقض حديثه عن مسوغات التدخل، وثانيا إذا كان بشار الأسد لم يتردد في تحجيم أهمية هذا التدخل، عندما قال لتلفزيون «المنار» ما معناه أن سوريا ليست في حاجة إلى حزب الله ليتدخل، فهو فقط يحمي القرى الشيعية عند الحدود، وثالثا إذا كان معظم اللبنانيين يعارضون هذا التدخل لأنه سينقل الحرب السورية إليهم، وبين هؤلاء ضمنا وصمتا عدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية.

لا أدري كيف يكون ظهر المقاومة محميا عندما تتشوه صورة حزب الله في العالم العربي وينظر إليه في العالم الغربي على أنه مجرد «أداة إيرانية تخريبية وإرهابية»، والأخطر من كل هذا عندما تؤكد دول الخليج أنها تعتبره منظمة إرهابية وتقرر النظر في اتخاذ إجراءات ضد مصالحه في أراضيها، وأنه «لا أحد يستطيع التغطية على ممارساته؛ فهو منظمة إرهابية، وهناك إجماع على أن تدخله السافر في سوريا هو إرهاب بما يكشف أنه كان يمارس التقية».

وليس خافيا أن الإجراءات التي ستتخذها دول مجلس التعاون الخليجي ضد ما تراه مصالح حزب الله ستصيب مصالح الآلاف من اللبنانيين الذين لم يحسب الحزب حسابهم، بل كشف ظهورهم، أو بالأحرى قد يتسبب في كسر ظهورهم بحجة حماية ظهر المقاومة، إلا إذا كان سيجد لهم استثمارات وعقودا ومصالح وأعمالا ومؤسسات ووظائف بديلة في إيران، وهو أمر مستحيل كما يعرف الجميع، وفي ظل حصول مثل هذه الإجراءات لا يكفي الحديث عن كسر ظهر هؤلاء فحسب؛ لأن ظهر لبنان سيكون مكشوفا، لكن ما الفرق إذا كان هذا الظهر أصلا مكسورا من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال؟!

المصدر:
الشرق الاوسط

خبر عاجل