كان رهان معظم الجهات اللبنانية حتى تلك الحليفة لـ”حزب الله” ان نهاية معركة القصير ستشكل نهاية تورط الحزب في القتال السوري اقلّه على نطاق عسكري واسع كالذي شهدته معارك القصير. غير ان غالبية المؤشرات التي اعقبت سقوط القصير بدأت تحمل دلائل إلا ان هذا الرهان لم يكن مطابقاً للوجهة المقبلة للحزب.
وأبرزت التطورات التي حصلت في لبنان وسوريا في الساعات الاخيرة مشهداً يطلّ على رزمة أخطار عسكرية وأمنية وسياسية أعربت أوساط واسعة الاطلاع عبر “الراي” الكويتية عن اعتقادها انها ستلفح الوضع اللبناني بمزيد من الاحتدامات ما يخشى معه زيادة المخاوف على الاستقرار الداخلي في لبنان. ومن أبرز هذه المؤشرات:
اولاً: رسمت عمليات القصف السوري على بلدة عرسال من جانب قوات نظام الرئيس بشار الاسد وعلى بعلبك من جانب الجيش السوري الحر اطاراً فورياً واضحاً لاتساع خطر انتقال العمليات الحربية من الداخل السوري الى المناطق الحدودية اللبنانية كامتداد عضوي لتورط “حزب الله” في المعارك السورية، فباتت مناطق البقاع الشمالي خصوصاً مرشحة للتهديدات اليومية كخط تماس خلفي. وجاء قصف بعلبك ليل الاربعاء بمثابة إثبات من جانب المعارضة السورية ان إسقاط القصير لن يوفر لـ”حزب الله” ما يزعمه من حماية خاصرته بل ان يد المعارضة لا تزال قادرة على الردّ عليه في مناطق سيطرته اللبنانية.
ثانياً: اذا صحت التلميحات الاولية للحزب بمضيّه في القتال الى جانب النظام في معارك اخرى ومدن سورية اخرى مدفوعاً بالنجاح في إسقاط القصير، التي فُتحت امس امام عدسات وسائل الاعلام وبينها محطات تلفزة لبنانية، فان ذلك يشكل في رأي الاوساط نفسها اثباتاً على ان القرار الايراني في دعم النظام السوري عبر التورّط المستمر للحزب لم يستنفد مفاعيله بعد وان الحزب قد يكون تالياً امام اكبر انخراط له في قتال على غير ارضه. وهو ما يثير التساؤل الاكبر عما اذا كانت طهران ومعها قيادة “حزب الله” لا تخشيان على المدى القريب او البعيد مواجهة مع اسرائيل مما يتيح للحزب الزجّ بقدرات بشرية وعسكرية كبيرة في الحرب السورية.
ثالثاً: على المستوى اللبناني الداخلي تعتقد الاوساط نفسها ان الحزب بدأ يراكم كماً هائلاً من الأخطاء التي ستؤدي الى زيادة أجواء الشحن المذهبي والطائفي والسياسي في البلاد وتحميله القسط الاكبر من تبعاتها. وقد برز ذلك بقوة في “نشوة النصر” التي اجتاحت مناطق سيطرة الحزب بعد سقوط القصير من خلال الافراط في مظاهر الابتهاج التي لم تقف عند مناطق سيطرته بل اتسعت الى مناطق مسيحية مثيرة استفزازات واسعة ومهدّدة بإشكالات كادت تكتسب طابعاً طائفيا.
وفي موازاة هذا السلوك وسط مناخ تتصاعد فيه أخطار الصراع المذهبي، بدأت الشكوك تتنامى حول مصير الازمة السياسية الداخلية وما اذا كان “حزب الله” سيتصرف مع استحقاق تشكيل الحكومة بمنطق “معادلة القصير” ام سيعمد الى اتباع مرونة توفّر له تقليل أخطار مواجهة تبدو حتمية إن لم يأت تشكيل الحكومة بمثابة احتواء لمجمل الأخطار الماثلة.
وتؤكد الاوساط المطلعة ان “فريق “14 آذار” لن يقبل بآي شكل ان تمرّ “معادلة القصير” في تشكيل الحكومة بل ان هذا الفريق يرفض اساساً تمثيل الحزب في الحكومة على قاعدة تشكيل حكومة غير سياسية.
وتعتقد الاوساط نفسها ان “حزب الله” سيكتشف عاجلاً انه لن يتمكّن بعد الآن من صرف معادلات الاستقواء المسلح في واقع الازمات، اللبنانية خصوصاً ان هاجس الاحتدام المذهبي أصبح بفعل تورطه يهدد لبنان بفتنة لم يعد يحول دونها اي ضمان”.
وتقول الاوساط اخيراً ان “التوظيف الدعائي الذي اعتمده الحزب في الساعات الاخيرة لم ينجح في حجب امر نافر هو الترحيب الاسرائيلي بإسقاط القصير والبُعد السلبي الكبير الذي يرتّبه ذلك على النظام السوري و”حزب الله”.
وهذا المناخ البالغ التأزم مرشح للتفاقم مع مواقف السقف العالي لقوى 14 آذار بإزاء “حزب الله” ومع التحركات في الشارع المنددة بانغماس الحزب في النزاع السوري والتي تضرب صيدا وبيروت يوم غد موعدين معها مع لقاءين تنظم احدهما الجامعة الاسلامية في عاصمة الجنوب والثاني المجتمع المدني في وساط العاصمة اللبنانية ويُخشى ان يسببا إرباكات أمنية.