|
|
||||||
“سقوط القصير” هو ما كان ينقص وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عدنان منصور لتقترن نظرياته واجتهاداته حول “النأي بالنفس” بالتبعية التي تربط حزبه أي “حزب الله” بإيران والنظام السوري، فترتفع النبرة على طاولة جامعة الدول العربية خلال المؤتمر غير العادي لوزراء الخارجية العرب، حتى ليتحوّل لبنان بفضل بعض وزرائه الى “أضحوكة” العالم العربي.
صودف “سقوط” القصير، بيد من هم ليسوا من أهلها وغرباء عن أرضها، في صباح اليوم نفسه الذي تحدث فيه منصور على مسامع وزراء الخارجية، وبالطبع فإن كلامه لم يتناغم مع قرارات جامعة الدولة العربية التي التزم لبنان في مقدمة دستوره قراراتها، كما أن كلام منصور، وكما في كل مرة منذ اندلاع ثورة الشعب على الطاغية في سوريا، يلاقي ردوداً عربية وداخلية غير مرحّبة بمواقفه التي وصفت مؤخراً بـ”الفضيحة”.
يا لفرحة منصور وتعاسة نظرائه! فحزبه حقّق “النصر الإلهي” على شعب عربي وطرده من دياره ومن بين أهله، وكأن الوزير بالتالي انتصر على كل نظرائه في الجامعة لأن الحزب لم يخيّب ظنّه! فقد غادر منصور لبنان يوم الثلاثاء الماضي مستبقاً نقاشات الاجتماع وقراراته بقوله “إن “حزب الله” حزب سياسي ولا يمكن التعامل معه على أنه إرهابي”. وعاد من القاهرة مقللاً من قيمة الأفكار التي طرحت خلال الاجتماع ومن أهمية الاجتماع بذاته، على الرغم من ترؤسه له، باستثناء طبعاً ما قيل عن “حزب الله” وما اتّهم به الحزب زوراً!
واتّضح من خلال كلام ما بعد الاجتماع، الذي ألمح إليه منصور قبله، بأن “اللبيب من الإشارة يفهم” إنما حين يشاء، ولأنه مدرك أسباب التئام الوزراء في القاهرة، فقد كان مقصوداً التخفيف من وطأة إدانة وزراء الخارجية لمشاركة الحزب في القتال في سوريا خصوصاً وأن غالبية اللبنانيين يرفضون الشراكة مع الحزب بعد قتله الشعب السوري وجرّ الفتنة إلى داخل وطنهم.
وجاءت عبارة منصور “هذا الاجتماع لم يقدم أي شيء جدّي” في هذا السياق، وأراد القول بالتالي إن الاجتماع غير العادي أي الطارئ لم يكن جدياً ومن دون أي فائدة أي كأنه لم يكن لأنه يطال “حزب الله” بطريقة أو بأخرى. فمن بين وزراء الخارجية العرب كلّهم، وحده منصور الذي يناقش الأمور بجدية لأنه يدافع عن “حزب الله” ويغطي انتهاكاته لمواثيق حقوق الإنسان في سوريا ويسعى الى تبرئته من خطيئة إقحام لبنان بما ليس له قدرة على احتماله، في المقابل وزراء الخارجية العرب كلّهم لا ينفّذون أعمالهم بجدية، كلّهم على خطأ ووحده على صواب، وهو لا يشارك في تلك الاجتماعات إلا لتلميع صورة الحزب السوداء والملطّخة بالدماء ولتحويل المهزلة والفضيحة الى جدّية!
عادة ما يتابع وزير الخارجية عمله بجدية لا غبار عليها، انطلاقاً من اعتراضه على الخروق السورية للبنان والتزامه سياسة “النأي بالنفس” وخوفه على اللبنانيين وعلى السياحة في لبنان! فالوزير يدعو السياح العرب الى زيارة لبنان بينما حزبه يقتل العرب في سوريا ويهجّر أهل القصير من أرضهم. وبعدما كان وبكل جدية، يبرّر تدخل الحزب في القصير بدفاعه عن لبنانيين يقطنون هناك ويردّه الى أسباب مذهبية أخرى، وجد منصور أنه من “الجدي” والمفيد، في سياسة الإقناع، لفت انتباه وزراء الخارجية الى أن الاعتراض على فقرة ادانة “حزب الله” جاء “لأن التدخل في سوريا يأتي من أكثر من 40 دولة”.
وهل ما يعني الحكومة اللبنانية هو الانشغال عن اللبّ بالقشور؟ فإن محور القضية كان حماية لبنان من أي شرارة يمكنها خرقه، وها هي الشرارات والعصابات المسلّحة والأسلحة المهرّبة، والمسلّحون يجوبون لبنان ويجتازون حدوده ذهاباً وإياباً كأنها حدود سائبة. وبجديّته المعهودة، يطالب منصور بـ”إخراج سوريا من محنتها بالحوار”، فهل هي محنة بعد سنتين على اندلاع الثورة، أم هي أزمة جرائم ارتكبها “حزب الله” بحقّ مواطنين سوريين استقبلوا لبنانيين في ديارهم؟ وهل منصور متخوّف على مستقبل سوريا والسوريين، أم على “انقراض” النظام السوري وآل الأسد؟ وهل يجوز بأن الحوار “المخروق” في لبنان هو نفسه ما يطالب به منصور من أجل سوريا؟
كل ما يعني اللبنانيين من مشاركة منصور في الاجتماع الطارئ، هو إنصاف العالم العربي لهم ولوطنهم، وعدم تصويرهم وكأنهم أعداء العرب والسنّة في المنطقة. سيستقوي منصور من الآن وصاعدًا بـ”سقوط” القصير بيد الأعداء وسيظل “ثابتاً” في تمسّكه بالنأي بالنفس، لا يجد فجوة في المزاوجة بين التدخل والنأي، ربّما لأنه وزير في الحكومة وفي الوقت ذاته لا يمثل غالبية الشعب اللبناني. لكنّ الحزب الذي يدافع عنه منصور سقط يوم سقطت القصير، وهو بالتأكيد سيحتاج بعد تحرير القصير من أعدائها الى من ينصره.. ولأنه كان في القاهرة يوم وزّعت البقلاوة، فمن الضروري أن يكون في لبنان يوم توزّع القهوة المرّة.