“خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل”
(المتنبي)
معاذ الله أن يظنّ القارئ أنني أطرح مقارنة بين سعد الحريري وحسن نصرالله، فالمقاربة باطلة بالمبدأ، فلا يمكن مقارنة الشجر المثمر بالنبات آكل اللحوم.
فالشوك قد يقارن بالعوسج والمكر بالخبث والسفّاح بالمجرم، ويكن أيضاً المقارنة بين أنواع العملاء لدول أجنبية ودرجات عمالتهم. فيمكن القول إنّ فلاناً متعامل للضرورة وآخر متعامل لقناعة عقائدية، وإن كانت بالمحصلة صفة العمالة تقع على الاثنين.
ما لنا وهذه المقدمة المعقّدة، فما أقصده بالمفاضلة هو بين سعد حداد وحسن نصرالله!
ولمَن نسي فسعد حداد هو الرائد في الجيش اللبناني، ابن مرجعيون الجنوبية الذي وجد نفسه معزولاً ومهدداً من ميليشيات متعدّدة قرّرت استعمال منطقته وأهله مقراً وممراً لعمليات عسكرية لم يستشره أحد بها. ويذكر من عاصر تلك الفترة بأن معظم الجنوب تحوّل إلى ساحة عمليات خارجة عن سلطة الدولة المركزية، تحكمها نزوات المجموعات الفلسطينية المتعدّدة والمتنافسة، وأحياناً المتقاتلة في ما بينها، مع أنها كلها كانت نظرياً تسعى إلى فلسطين، مع العلم أنّ معظم ضحايا تلك الفترة كانوا قد سقطوا بنيران التقاتل بين المناضلين أو التشبيح على الآمنين.
سعد حداد وما يمثله، وبتفهّم معروف من قيادته المركزية الشرعية في بيروت، أعلن قيام جيش لبنان الجنوبي في السنة التي تلت الاجتياح الإسرائيلي الذي وقع سنة 1978. دعمت إسرائيل جيش حداد بشكل محدود لتشكيل ميليشيا محلية على أساس العداء المشترك مع القوى المسلحة التابعة للمنظمات الفلسطينية. على الرغم من كل ذلك بقي خطاب سعد حداد ملتزماً بانتمائه للبنان ومؤكداً انه لم يلجأ إلى إسرائيل لطلب المساعدة إلا لأنه كان بين خيارين أحلاهما مرّ، فاختار ما كان برأيه أهون الشرّين.
لا أريد أن يفهم القارئ من ما سبق بأنني أحاول تسويغ العمالة تحت أي ظرف من الظروف. ولكن مع مرور التجارب المرّة على مدى العقود الماضية، فإنّ العملاء ليسوا فقط مَن تعاونوا مع إسرائيل، بل ان العمالة تشمل كل مَن تعاون مع دولة أجنبية دون علم أو موافقة الدولة اللبنانية. هذا الجرم يشكل كل مَن ألّف ميليشيا سلّحتها وموّلتها وأدارتها عن بُعد دولة أجنبية تحت أي مسمّى كان. فلا يهم إن كان ذلك لقناعات عقائدية ولمسوّغات ما ورائية ولا حتى تحت مسميات إيجابية بالظاهر ومن ضمنها مقولة المقاومة والممانعة.
بناءً على ذلك كله، فلا أرى اليوم فرقاً كبيراً بين ما يمكن إنزاله من نعوت على ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بالمقارنة مع ميليشيا حزب الولي الفقيه في سوريا ولبنان.
ما أعرفه هو انّ سعد حداد، وحتى خليفته انطوان لحد، لم يفخرا يوماً بكونهما “جنوداً في مشروع أرض الميعاد الصهيوني”، في حين أن حسن نصرالله صاح بأعلى صوته في أحد خطاباته الكثيرة إلى حد الملل بأنه يفخر بكونه جندياً للولي الفقيه.
لقد اتُهمت ميليشيا سعد حداد بمجزرة صبرا وشاتيلا بتكليف سرّي من ارييل شارون، وكانت النتيجة احدى أبشع الجرائم في تاريخ البشرية. ولكن ماذا اليوم عن المجزرة المفتوحة التي يرتكبها نظام بشار وماذا عن صبرا وشاتيلا الثانية في القصير التي يرتكبها حزب ولاية الفقيه بتكليف شرعي علني من الولي الفقيه؟
لم أسمع يوماً أن سعد حداد قال بأنه يقاتل للدفاع عن الكنيسة المكرسة لمار ماما، شفيع مدينة مرجعيون، أو تمثال مار جرجس، شفيع بلدة رميش، فجزء كبير من افراد جيشه كانوا من غير المسيحيين. كما ان غير المسيحيين كانوا أيضاً من ضمن من رشّوا الأرز على جيش الدفاع الإسرائيلي الغازي في كثير من نواحي الجنوب، وقد يكون أبناء الكثيرين منهم اليوم في عداد جمهور المقاومة من الواقعين تحت سحر ولاية الفقيه وكاريزما حسن نصرالله، أو الموظفين في مؤسساته، أو المتطوعين في ميليشياته، وقد يكون بعض هؤلاء مشاركين اليوم في قتل الشعب السوري. ولكن قمة الخبث هي الدعوة إلى المشاركة في دم السوريين السنّة، تحت شعارات طائفية مذهبية للدفاع عن مقامات يعتبرها الشيعة ملكاً خاصاً لهم. ان في ذلك تمادياً دنئياً في إشعال الفتنة واغتيالاً واضحاً للتفاهم الإسلامي، سيترك آثاره لعقود على وجدان المسلمين وعلى امكان ارساء التسامح بين مذاهبهم.
قد لا يكون هناك مجال في هذا المقال لشرح كامل بنود المقارنة، فأكتفي بما سبق وأترك للقارئ ليقرر مَن أفضل سعد أم حسن؟!