لم “يَدُر” حزب إيران الى الجولان كما تنبأ بعض الإعلاميين لكنه دار على القصير! ودار الثوار الى الجولان. ولم يحتفل بانتصاره على العدو لكنه احتفل بانتصاره “الرائع” الوطني، التحريري باحتلال القصير. ولهذا، فقد شهدنا علامات النصر هذا في بعض المناطق التي بات يحتلها الحزب، بتوزيع البقلاوة والحلويات في الشوارع، على المارة، والسيارات، بإباء من حقّق الظفرَ “المُبين”، وبيافطات وعرّاضات إن دلّت على شيء فعلى ذلك الابتهاج المتمثّل برفع الأيدي والزمامير، والرصاص الملعلع، والصراخ، والضحكات المدوية. لكن لمحنا من بعض زوايا المشهديات المسرحية “الهزلية”، تلك الصور المحزنة، لقتلى الحزب، على الجدران، تحدق في هؤلاء المحتفلين بعيون رأينا فيه الغَضَب، الغضب الأخير، والسخرية، السخرية الأخيرة من هؤلاء، الذين جرّوهم الى التهلكة، بدم بارد، وبعيون زجاج، لا من أجل تحرير أراض يحتلها أجنبي بل من “أجل أرض” سيحتلها أجنبي.
كأنما تلك الصور تصل في شهادتها الحية، الى ما هو أبعد من الموت، وأبعد من هؤلاء الذين يهلّلون باسم من “سَفحوهم”، وأبعد من الجحود، وأعمق من إهدار الأرواح، وأبعد من ذاكرات جريحة، تصل بنظراتها الجامدة، الثاقبة الى عمق المأساة التي ارتكبت بحقهم. الصور على الجدران اليوم بين البقلاوة والنمّورة والكعك والبازلاء والصْفوف، لكن لم يبق من أصحابها ومن شبابهم الغض سوى النظر، سوى حصاد أليم، قطفه القتلة والطغاة من بني فارس، والمتفرسنين.
ونظن أن هذه الصور الملصقة أو المعلقة، كأنّما لها آذان. ولربما سَمِعتْ السفير الإيراني وهو يعلن موتها لكن بصيغة النصر. ذلك أن السفير هذا أعلن النصر ربما قبل أمهات هؤلاء القتلى، وأخوانهم، وأقاربهم، وأصدقائهم. سرق موتهم، قبل أن يسرق وجودهم. ولربما سمع هؤلاء الذين لم يبق منها سوى صور… لكن صور تقول وتوحي تلك الزمامير الغبية. وذلك الرصاص الأصم. وتلك الأصوات الملعلعة التي لم تعد تطلع من القلوب، بل من الشفاه والحناجر والمناخير، وكأنها آتية من الأشياء، والحجارة، والخيبة، لا من ناس عرفوهم قبل أن يستقلوا قطار الموت.
حزب الله يحتفل، لا ليؤكد ربحاً ليس ربحه، وإنما ليؤكد خسارة هي خسارته. لا ليعبر عن افتخار، بل ليضاعف العار عارين وأكثر: عارَ انتهاكِ أرض عربية وعار الاحتفال بهذا الانتهاك. وقد درج هذا الحزب “الفرحان” بالموت، على الاحتفال أيضاً ببعض انتصاراته اليومية على اللبنانيين. (أو الكبرى) المجيدة. ونتذكر أنه ومن فرط “رحماته” الإيحائية، والوطنية، راح يوزع الحلوى ذاتها، في الشوارع التي “يحتلها” في كانتونه، على المارة، والأطفال، والنساء، عندما اغتيل الشهيدان جبران تويني وبيار أمين الجميل… فيالهذا الحزب الذي يعرف أنه انتصر بدقة عندما يُعبّر عن فرحته بقتل خصومه اللبنانيين. القتل. حزب القتل لا يمسه سوى الشعور بالشماتة. القتل المبين. إنجازه الكبير. فكأنما لا يؤكد وجوده إلاّ بالقتل. وعندما تقارن بين احتفاله باغتيال جبران تويني وبيار أمين الجميل وبين احتفاله بضحاياه الذي قضوا في القصير، لا ترى فارقاً: فيداه هنا وهناك أبداً ملطختان بالدم. حتى بات لا يميز بين دم ودم. يحتفل بموت “الخصوم” احتفاله بموت مسلحيه. هنا يتشفى وهناك يمتص الدم. هنا يخوّن حتى الموتى، وينبش قبورهم بألسنته المطاطية وهناك يبارك ويدفن ضحاياه بأيديه الحمر.
إنه الاحتفال بالدم. مهنته. وثقافته. ونتاجه. وسرّ حضوره. وماذا لو لم يعد من دم يهرقه ويتلذذ بإهراقه؟ هل يبقى منه شيء؟ لا شيء! سوى ظلال ناس يمرون كالغربان على شوارع الخراب والعنف والفراغ. ذلك لأن هذا الحزب أنشئ في نظام الكراهية والحقد والانتقام أي في إيران، ليكون مجرد دور عبدٍ مأمور موكول إليه. ليكون مجرد أجسام آلية تدار بالروبوت، مشحونة بمفردات الجحود، والتنكّر، والخضوع للأنامل التي تحركها. حزب الفراغ. العبث. ليس عنده ما يقول سوى ما عُبّئ به. تماماً كما تُلقّمِ بندقية أو مدفعاً. حزب جعل أفراده مجرد بنادق عمياء، صماء، بلا عقل، ولا إرادة، ولا انتماء. والأرض لا تعني معدن البنادق. ولا رصاصها. ذلك لأن أصحابها باتوا يشبهونها، الى درجة عدت لا تميز فيها بين من يطلق الرصاص: البندقية على صاحبها، أم صاحبها على كل من يؤتمر بإلغائه. فيا لهذا الحزب الذي فقد ظلاله. وجذوره. ووجوده. وعيونه. وقلوبه. وجلوده: لا أرضه يتعلق بها. لا هواء يتنسّمه في بلاده المفترضة. لا مشاعر تهزّه الى شعبه؟ ولا روابط تشدّه الى تاريخه. لا شيء. تاريخه في مكان آخر. أرضه في مكان آخر، كلماته من أفواه أخرى. فما هذا الحزب الذي لا ينطق بما هو فيه، وإنما بما أُودِع. ها هو وبشعارات النظام السوري، وولاية الفقيه، وبخيراتهما، وبمننهما، يحتفل بانتصارهما على شعب آوى أهله في الحروب، في القصير. “أهلاً بكم فبيوتنا بيوتكم” هذه لافتات علّقها سكان القصير الفقراء عندما نزح أهلنا اللبنانيون هرباً من عدوان حرب تموز! تتذكر تلك اللافتات التي استقبل بها أهل الكرام، العرب، في القصير، المهجرين من بيئة الحزب، وبيئات أخرى، ثم تنظر الى اللافتات انتصار الحزب على من فتحوا قلوبهم له. أف! هناك النُبل. وهنا الغدر. حزب الغدر هذا. حزب الطعن في الظهر. وهذا ما فعله في حق اللبنانيين الذين آزروه، وشاركوه، وتحمّلوا الخسائر والقتلى والضحايا في حرب تموز. كافأهم باغتيال رموزهم. كافأهم بتخوينهم. كافأهم بغزو مناطقهم في الجبل وفي بيروت…
ولربما، تتذكر بعضُ صوِر قتلى الحزب المرفوعة والمعلقة، بين الحلويات، كرم أهل القصير، ووفاء اللبنانيين، فربما تبكي أو تدمع… في تلك الأمكنة البعيدة في دار البقاء التي أنقذتها من طغيان الحزب وجنونه ولا إنسانيته. ربما تتساءل صور شهداء الحزب: هل يحتفلون أمامنا بدمنا. فأي احتفال هذا بالدم. وربما بين المارة من ينظر ويقول في سرّه: أنحتفل بدم السوريين وبدم أبنائنا من أجل إيران؟ وربما حدّق ملياً هؤلاء الشهداء بحلويات الحزب صارخين بصمت غاضب: أي حلوى هذه ممزوجة بالسموم؟ أي حلوى هذه ممزوجة بدمنا؟ أي حلوى من الدم توزع على هؤلاء الذين ينتظرون ربما أن يستدعيهم الحزب للموت في أمكنة أخرى ليست أمكنتهم، ومن أجل آخرين، لقاء حُفَنٍ من السلطة، والمال… والقتل! ليصيروا مجرد صور. صور معلقة على الجدران بين البقلاوة ولعلعة الرصاص وزمامير السيارات. ليصيروا مجرد دمعة في قلوب أمهاتهم وأهلهم وأصدقائهم ومنازلهم.
حزب الله حزب الموت المعلق على الجدران. حزب الصورة التي تتذكر، وتقتل في آن واحد.
حلويات “الحزب” المجبولة بدم اللبنانيين والسوريين!
المصدر:
المستقبل