عرقلة مهمة سلام تبرز معادلة التعطيل:
فراغ السلطة التنفيذية وإنهاك رئيس الحكومة
يتعاطى المسؤولون في ضوء التطورات الأخيرة التي نقلت البلد من حال التفاؤل التي عمت على اثر تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة، الى حال التأزم الخطير، كما لو ان الحكومة العتيدة باتت معلقة الى أمد غير منظور. وعلى غير ما بدت عليه المخاوف من فراغ في السلطة التشريعية، بحيث هرعت الكتل النيابية الى التمديد للمجلس، فان الافرقاء السياسيين، ولا سيما في قوى 8 آذار لا يتعاملون مع الموضوع الحكومي بالالحاح نفسه ولا يريدون حكومة في الوقت الراهن. ويفهم بعض السياسيين ذلك على انه المعادلة التي سعت اليها قوى 8 آذار والتي تكتسب أبعاداً اضافية، وخصوصاً بعد تدخل “حزب الله” في الحرب ضد القصير السورية، ومفادها أمران: أولهما ان الفراغ في السلطة التنفيذية الذي يطاول موقعاً حكومياً فاعلاً لطائفة معينة، مقبول ومقصود، في حين ان هذا الفراغ غير مقبول لرئاسة مجلس النواب التي تعود الى الطائفة الشيعية . وتسأل مرجعيات في هذا الاطار لماذا يتم القبول بالفراغ في السلطة التنفيذية ويمكن احتماله، ولا يكون كذلك في السطة التشريعية؟ وثانيهما ان هناك استنزافا في تأليف الحكومات في لبنان بحيث بات مقدراً لاي رئيس حكومة ان ينهك نفسه خلال اربعة او خمسة اشهر على الأقل قبل ان يتاح له تأليف الحكومة، وفقاً للشروط التي يريدها هذا الفريق، بحيث يثبت مرة جديدة “فاعلية” سياسة استرهان البلد التي يعتمدها عند كل استحقاق ومحطة.
هكذا تتم رؤية جانب من العرقلة التي يواجهها الرئيس تمام سلام والتي تتصل في جزء منها شكلاً، بانتظار قرار المجلس الدستوري من أجل معرفة اي اتجاه يمكن ان تسلك الامور. فلم يستطع الرئيس سلام معاودة استئناف مشاوراته حتى الآن، وهو مضطر الى الانتظار، علماً انه بلغه على نحو غير مباشر أن فريق 8 آذار مصر على الثلث المعطل في الحكومة بما يتناقض والضمانات التي قدمها لهذا الفريق لجهة استقالته، اذا استقال هذا الفريق، بحيث لا تبقى الحكومة قائمة. ولا يبدو هذا الفريق كأنه يتوقف عند كل انواع الضمانات التي قدمها سلام له لدى استقباله كتلة “الوفاء للمقاومة” في استشارات التأليف، وتأكيد سلام له انه ازاء الهواجس او المخاوف التي يثيرها الحزب على محاولات تطويقه، فانه لن يكون هو من يفرط به ولو اتفقت كل قوى الدهر عليه. وهو وعد سرعان ما ترجمه سلام لدى استقباله وزير خارجية اسبانيا قبل أسابيع قليلة، حين طرح عليه الوزير مسألة اتجاه الاتحاد الاوروبي الى وضع “حزب الله” على لائحة الارهاب، اذ واجه رئيس الحكومة المكلف الديبلوماسي الاسباني بانه قد يكون لديهم مقاييسهم لتحديد الارهاب، إن حصل في ليبيا او بوسطن، لكن بالنسبة اليه فإن الحزب ليس ارهابياً، بل هو مقاومة طلعت من الارض، ولا يمكن ان يوافق لبنان على تصنيف الحزب ارهابياً. وهي الرسالة نفسها التي ابلغها سلام لاحقاً الى البريطانيين الذين اعتمدوا المقاربة نفسها ازاء “حزب الله”. وهي مبادرات تطمينية لم تلق اي رد فعل ايجابي من جانب الحزب، فلم تبرز اي نية لجهة المساعدة في تسهيل تأليف الحكومة ولا في تلقف استعدادات سلام والاستفادة من ضماناته، مما يعني في الواقع ان الأمور قبل التمديد للمجلس وتقديم رئيس الجمهورية الطعن بالتمديد الى المجلس الدستوري لم تكن سهلة اطلاقاً في كل الاقتراحات التي قدمها سلام، والجهود التي بذلها لم تكن مشجعة في نتائجها، اذ ان كان عليه ان ينتظر كل مرة اربعة او خمسة ايام بعد عرضه اي تصور على الافرقاء قبل ان يتلقى جواباً عما اقترحه، اذ يمارس افرقاء 8 آذار ترف التمتع بالحقائب التي يتولونها في حكومة تصريف الاعمال والتصرف بها على غير ما يفترض، وفق المذكرات التي اصدرها رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي، فكان الجواب غالباً عن الصيغ المقترحة من سلام يحمل طلبات مختلفة يتعذر قبولها. اما الان فقد اضيف الى ذلك تحول المرحلة جذرياً ودخول عوامل جديدة، بحيث أضحت أكثر صعوبة وتعقيداً.
الا انه على رغم ذلك، فان هذه العرقلة لجهود تأليف الحكومة العتيدة لا يعتبرها الرئيس سلام وفق زواره موجهة ضد شخصه بمقدار ما هي موجهة ضد البلد والوضع العام فيه، لأن الحاجة ماسة الى حكومة تدير شؤون البلد في حدها الأدنى. فقد يكون هو في موقع صعب جداً، الا ان الاهم وفق ما ينقل زواره من تساؤلات قلقة، يتناول الوجهة التي يؤخذ اليها لبنان في الوقت الذي لا يبدو هذا الاتجاه غير معروف في المطلق، لأن هناك الكثير من المراحل عرفها لبنان مع طوائف أخرى كانت لها تحالفاتها وطموحاتها إبان الحرب، وانتهى الوضع معها الى ما انتهى اليه لاحقاً، في ما يرجح الا يكون ذلك مستبعدا بالنسبة الى ما يقوم به “حزب الله” راهناً. والاعتقاد الذي يسود ان الفرصة قد تكون سانحة للانقضاض على البلد، ليس في محله، لأن لبنان لا يحكم من طرف او يستطيع احد السيطرة عليه. والاصعب في ما يواجهه، ليس ان هذه هي الازمة المستعصية الاولى، بل انها كذلك في ظل غياب من يمكن ان يساعد لبنان او يتلقفه اقليميا ودولياً لاعتبارات متعددة لا مجال للخوض فيها، وفي ظل عدم وجود اي ضوابط وحدود.