الدب الروسي يُدير الحرب السورية..؟!

مهما قيل عن الأهمية العسكرية لمعركة القصير وريفها، تبقى الملابسات السياسية والأمنية التي أحاطت بأولى معارك الحسم بين النظام والمعارضة، على جانب كبير من الخطورة، لأنها تتجاوز بأبعادها رقعة المواجهة الميدانية الضيّقة، إلى طرح مصير الوضع السوري برمته، على طاولة المساومات الكبرى!

المعلومات المتداولة في دائرة ضيّقة في الأوساط الدبلوماسية، تفيد أن معركة القصير لم تبدأ على الأرض السورية، وأن شرارتها الأولى انطلقت من موسكو، إثر الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، والتي قابل خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتقرر خلالها الدعوة إلى مؤتمر جنيف - 2، لجمع النظام والمعارضة على طاولة مفاوضات الحل السياسي.

روسيا أُعطيت، بضوء أخضر أميركي واضح، الدور الأوّل للإعداد لهذا المؤتمر، من حيث توجيه الدعوات، وتحضير الأجواء المناسبة لانعقاد المؤتمر، وبقيت نقطة الخلاف الوحيدة بين الطرفين الأميركي والروسي تنحصر بمشاركة إيران، وذلك بعدما كان كيري قد وافق على الدعوة إلى جنيف - 2 من دون شروط مسبقة، خاصة بالنسبة للمعارضة التي كانت تشترط دائماً، ضمان تنحي الأسد عن السلطة.

الجانب الروسي، الذي وقف إلى جانب النظام منذ الأسابيع الأولى للثورة، أدرك جيداً أن ميزان القوى على الأرض، لا يُشجّع المعارضة على تقديم تنازلات والذهاب إلى جنيف للجلوس مع ممثلي الرئيس السوري، واستطراداً إذا لم يحقق الجيش السوري النظامي تقدماً يعدّل من الخلل الحاصل على الأرض، فستبقى كفة المعارضة هي الراجحة، وستذهب الجهود الروسية لإنقاذ النظام أدراج رياح المعارك الدائرة لمصلحة المعارضة السورية.

المشاورات المتسارعة بين موسكو وطهران، انتهت إلى وضع سيناريو عسكري، يمكّن قوات النظام من توجيه ضربة مباغتة وموجعة للمعارضة، تؤدي إلى تعديل ميزان القوى على الأرض.

فكان اختيار القصير وريفها، لعدة عوامل استراتيجية ولوجستية، لعل أبرزها:
1 – الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة لمواصلات «حزب الله» وترسانته العسكرية والصاروخية.

2 – تحكم القصير بشبكة طرق رئيسية توصل الساحل السوري، ذات الغالبية العلوية، بمنطقة حمص، حيث القاعدة الجوية الأهم في المنطقة، ومصفاة النفط ، ومحطة توليد الكهرباء.

3 – إعادة فتح طرق الإمداد للجيش النظامي بين دمشق وحمص، وفي الوقت نفسه قطع سبل الإمدادات لقوات المعارضة في ريف حمص.

4 – أما لوجستياً، فالمنطقة متداخلة مع القرى الشيعية على الحدود اللبنانية، مما يسهّل انتقال مقاتلي «حزب الله» إليها، وتأمين قواعد خلفية مساندة بشكل آمن ومريح.

5 – محدودية المساحة التي دارت عليها المعركة، قياساً على مساحة ريف حلب، المتصل مع الحدود التركية، أو مع توزّع قرى ومواقع ريف دمشق، على دائرة شعاعية أكبر.

6 – إمكانية حصار مجموعات الثوار المتواجدين في ريف القصير، وقطع طرق الإمدادات عنهم، نظراً لبعد المسافات مع قواعدهم الخلفية في المناطق السورية الأخرى، وتحكم قوات النظام ببعض مفاصل الطرق، إلى جانب ضيق المعبر الحدودي مع جرود عرسال، الذي كان يعتبر المنفذ الأول للمعارضة باتجاه الأراضي اللبنانية.

وعشية اندلاع معركة القصير، كانت التجهيزات التقنية المتقدمة قد تمّ تحضيرها للاستخدام في المواجهة، بقيادة خبراء روس وإيرانيين، سواء بالنسبة لتقنيات الاتصالات بهدف جمع المعلومات وتحديد أماكن الثوار، أو بغرض التشويش على اتصالاتهم بعد التنصت عليها، أو حتى بالنسبة للقذائف الموجّهة الكترونياً، أو حتى معدات اعتراض قذائف الهاون وغيرها من القذائف الصاروخية.

* * *
بالمقابل، كانت قوات المعارضة السورية في مختلف المواقع، ولا سيما في ريف القصير، تطلق النداء تلو النداء للحصول على الأسلحة والذخيرة اللازمة لصد هجمات الجيش النظامي المدعوم بمقاتلي النخبة في «حزب الله» أرضاً، وبطائرات الميغ والسوخوي الروسية جواً.

وبدا واضحاً من سياق التطورات الميدانية اليومية، أن الهجمة الروسية – الإيرانية لدعم قوات النظام السوري، قابلها تراجع أميركي في دعم المعارضة، وتردد أوروبي عاجز عن تلبية نداءات الثوار السوريين.

وسرعان ما انعكست النتائج على الأرض لمصلحة الفريق الداعم للنظام السوري، حاملة معها مؤشرات لتطورات سياسية، قد لا تقل درامية عن التطورات الميدانية.

ثمة في واشنطن من يتحدث عن اتفاق «كيري – لافروف»، الذي سيطوي صفحة «سايكس – بيكو»، ويمهّد لولادة شرق أوسط خلال السنوات الخمس المقبلة، تبقى فيه سوريا أقرب إلى منطقة النفوذ الروسية!

شرق أوسط جديد بحدوده السياسية، ودوله الإتنية أو الطائفية، ودوره الأساس، كمصدر للنفط والغاز، وكممر شبكات أنابيب الطاقة العابرة للقارات من أقصى آسيا إلى غرب أوروبا!

وهذا يعني أن معركة القصير لن تكون معركة الحسم الوحيدة، في مسلسل المعارك والمواجهات المحتدمة على الأراضي السورية حالياً، طالما أن الدب الروسي يُدير الحرب في سوريا!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل