الأرجح أنّ الجيش اللبناني حقّق خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، وقد بدأت معالم الخطة الامنية تظهر على شكل فكّ اشتباك بين التبانة وجبل محسن وداخل المدينة ذاتها، مع ما يعنيه فكّ الاشتباك من سحب لفتائل التفجير، من متاريس استُحدثت لتكون نواة جبهة قتال دائمة، وسلاحاً داخل المدينة زرعه “حزب الله” عبر عائلة النشار وغيرها من القوى المحلية.
شمعة طرابلس منعت تحوّل المدينة الى ساحة حرب، كاد سقوط القُصير ان يجرّها اليها سريعاً. حين بادر الرئيس سعد الحريري إلى الاتصال بقائد الجيش العماد جان قهوجي، كانت مبادرةٌ قد ولدت، ولكنّ تنفيذها إستلزم استنفاراً لا سابق له. تولّى اللواء أشرف ريفي بطلبٍ من الحريري ضبط الوضع، كما قام النائب كبارة بجزء من المهمة ونجحت الاتصالات في ترتيب تفاهمٍ في المدينة يقضي بتسهيل مهمة الجيش، وأُطلقت مواقف داعمة للخطة الأمنية التي بدا كأنها تطبَّق للمرة الاولى بهذه الصرامة، وخصوصاً في جبل محسن الذي دخله الجيش منفذاً إجراءاتٍ جديدة لإزالة معالم الجبهة مع باب التبانة، فيما تولّت قيادات المدينة ونوابها العمل في التبانة لمواكبة الجيش ومنع عرقلة خطته الأمنية.
حقّق هذا التنسيق مع الجيش خطوات متقدّمة. معظم قادة المسلّحين في التبانة تمّ العمل عليهم لكي يتعاونوا بشكل كامل، فيما نفّذ الجيش إجراءاته الخاصة في جبل محسن. بقي بعض قادة المسلحين يعارضون خطة الجيش (زياد علوكي) لكنّ الغالبيّة انصاعت، أما الإشكال مع عائلة النشار فكان سببه وجودهم المسلّح داخل المدينة، ورفع صور السيد نصرالله والرئيس السوري بشار الاسد، وما لبث القتال أن ادّى الى تحجيم وجود هذه العائلة داخل المدينة القديمة.
عاملان ساهما في إنجاح الحدّ الأدنى من الخطة الامنية في المدينة. أولهما قرار الحريري بضبط الوضع الذي كان انفلاته خلال ساعات سيؤدي الى اصطدام طرابلس مع الجيش، وهو امر خطير كان سيقلب المعادلة في اتجاه آخر. وثانيهما قرار قيادة الجيش المبني على تحليل الوقائع الميدانية على الارض، والتي تقول إنّ حرب طرابلس كانت ستكون بداية العنف الذي سيتصاعد في كل المناطق المتداخلة مذهبيّاً، من صيدا الى بيروت والطريق الساحلي والمخيّمات. وقد عمدت قيادة الجيش قبل البيان التحذيري الذي أطلقته قبل يومين الى عدم الإعلان عن كلّ الاحتكاكات المذهبية التي حصلت في شوارع بيروت، والتي شكلت فتيل تفجير جاهز للإشتعال في أية لحظة.
بعد الخطة الأمنية عاد شيء من العلاقة الجيدة بين الجيش والبيئة السنية في المدينة، بشكل أعاد بالذاكرة الى حرب البارد التي قاتل فيها الجيش وظهره محمي في كلّ الشمال. وقد لعبت قيادات المدينة دوراً كبيراً في دعم الخطة الامنيّة، لمعرفتها بأن وصول الامور الى حافة العنف سينقلب الى حرب يمسك المتطرّفون بزمامها، وقد تؤدي الى تغيير الخريطة السياسية بشكل كامل خصوصاً اذا ما اشتركت فيها عناصر سورية تاتي من داخل سوريا أو من لبنان.
لقد شكلت الخطة الامنية في طرابلس إنجازاً متواضعاً، ولكنها وعلى رغم بعض التعثر في تطبيقها، سمحت للمؤسسة العسكرية بأن تتفرّغ لمناطق أخرى ربما تكون العاصمة بيروت بمناطقها المتداخلة إحداها، مع ما يعنيه ذلك من توحيد لساحتَي الصراع في سوريا ولبنان، اللتين باتتا بفعل اشتراك “حزب الله” في القتال في سوريا ساحة واحدة، ومع ما يعنيه أيضاً ذلك من مضاعفات مذهبية وسياسية هي أصعب من أيّ قدرة على الإحتواء.