#adsense

عندما تمانع “فرقة” أمام انتهاء الصلاحية

حجم الخط

 

في منتصف حزيران من عام 1829 كانَ طفح الكيل، فهبّ أهالي الآستانة كقومة رجل واحد، يحثّهم العلماء بإيعاز من السلطان محمود الثاني، فكانت “الواقعة الخيرية” كما ستعرف في التاريخ العثماني، واقعة انتفاضة أهالي العاصمة على طبقة الجند الإنكشاريّة بعد أن ضاقوا ذرعاً بتفرعنها، وتجبّرها، على الدولة العليّة والأهالي. بحرٌ من الناس يتدفّق على الإنكشاريين من كل جانب، يمعن فيهم تقتيلاً من الصباح حتى المساء في ميدان الخيل، ويلاحقهم في الحارات والممرّات.

كانت هذه نكبة الإنكشارية، وسمحت من ثمّ بانطلاقة عهد الإصلاحات الإدارية والقانونية، أو ما عُرِف باسم “التنظيمات”. قبل ذلك بعقود مديدة، كانت فيالق الإنكشارية قد تحوّلت إلى عائق يحول دون الإصلاح، وتقطع الطريق بالحديد والنار على المسعى الهادف إلى تأسيس “جيش نظامي” حديث في السلطنة، وعلى أي مسعى إلى تنظيم الفيالق نفسها وإراحة الأهلين من غطرستها وصلفها.

تمرّد الممانعون الإنكشارية على محاولات الإصلاح الواعدة التي نهض بها السلطان سليم الثالث مطلع ذلك القرن، وقتلوه، وكان لصلفهم وتقادم فيالقهم باع في هزائم السلطنة المتتالية، وخصوصاً في حرب اليونان. حاول محمود الثاني الجلوس معهم إلى “طاولة الحوار” برعاية أهل الحلّ والعقد ففشل. كانوا يستصغرون شأنه، ويظنّون أنّ الضعيف وحده من يستجدي الحوار، ويقولون ما معناه إن “السباهية”، وهي وحدات الفرسان، ضعيفة بما فيه الكفاية، كي يطلب منهم الاعتكاف جانباً لتسليم الدفّة إلى لبنة الجيش النظامي العتيد.

وفي النهاية، احتاج نصف قرن من ممانعة هذه الفيالق على انتهاء دورها التاريخي إلى بضع ساعات كي تتحوّل ذكراهم إلى ذكرى “عَصَف مأكول” إذا ما شئنا استعادة العبارة القرآنية.

يمكن أن تدرّس هذه “الواقعة الخيرية” كنموذج ساطع على مصير فئة تكابر على انتهاء وظيفتها التاريخية العقد تلو العقد، ويبدو أمرها مستعصياً لدى أخصامها، لكن في النهاية يؤدي ذلك إلى نهاية مرعبة بشكل فائق.

يوحي هذا العرض طبعاً بإغراء المقارنة مع تجربة “حزب الله”. مع ذلك، فهي مقارنة تباغتها العراقيل: هو حزب صغير في بلد صغير. كيف يقارن بالجنود الإنكشارية الذين كانت لهم أمجادهم وفتوحاتهم في القرون العثمانية الأولى، وقاتلوا على امتداد حوض الدانوب وحاصروا فيينا؟ صحيح أن الحزب قاتل هو الآخر في قلب أوروبا، في البوسنة، وله أنشطة أمنية تمتد من بلغاريا إلى نيجيريا، ومن الأرجنتين الى تايلاند، لكن الأمر يختلف. ثم إن الإنكشارية كانوا يُنتشلون صغاراً من حضن عائلاتهم وفقاً لنظام “الدوشرمة”، الذي كان نظاماً قاسياً، لكن يفترض أنه يربيهم على الولاء التام للدولة العليّة، وللسلطان. وحافظ هذا النظام على حيويته وفاعليته لقرون، ثم تعطّل ونخره الدود كأي شيء يعبر به الزمان.

مع ذلك، تبقى السمة “الإنكشارية” لـ”حزب الله” تسمح بالمقارنة: ممانعتهم قيام “جيش نظامي”، استصغارهم لشأن الحوار على “سلاحهم”، الفئوية، “الطُرُقية” في حال الإنكشارية (بمعنى الطريقة البكتاشية والتصوّف العلويّ) و”المذهبية” في حال الحزب. لكن الأهمّ من كل هذا: الاشتراك في الممانعة والجموح في مواجهة فقدان الوظيفة التاريخية المسندة لكل منهما، وبحثهما بدلاً من ذلك عن وظائف مصطنعة بديلة.

طبعاً، ليس بالضرورة أن تتكرّر “الواقعة الخيرية”، وليس من الواقعي إغفال أن الاستثمار في الصراع المذهبي، والطاعة الكلية لإيران، تجعل مسألة “حزب الله” أكثر استعصاء. إلا أنّ أفق هذه “الواقعة الخيرية” أصبح يخيّم على تجربة “الحزب” مع تحطيمه الأرقام القياسية الجديدة في الاستكبار والصلف، وبروز انتهاء وظيفته التاريخية.

لماذا انتهاء وظيفته التاريخية؟ لأنّ هذا الحزب، وإذا لم نرد الدخول في قاموس تفسيرات المقاومة، إلا أنّه على الأقل، عبّر ولو بشكل رجعيّ ومشوّه عن كتلة أهلية لبنانية أساسية، وعن “مسألة جنوبية” كانت مركزية الجبل اللبناني كما مركزية الساحل اللبناني تركنها إلى مقام ثانوي وناءٍ. وبمعنى ما، أوصل الحزب شيعة لبنان إلى موقع متقدّم في التركيبة اللبنانية لا يقارن بما سبق. إلا أنّه موقع غير ثابت، ويتحكّم به الهلع الذاتي من السقوط فجأة إلى القعر، وهذا الهلع يستثمر فيه الحزب بشكل محترف. يبقى أنه مهما استثمر إلا أنه لا يمكنه أن يبدّل الحقيقة الأساسية: إن تحرّر الطائفة الشيعية من هذا الهلع الذاتي، ومن عوارضه الدفاعية كما الهجومية، رهن بتحرّرها من “الزائدة الدودية” بعرف التاريخ: “حزب الله”.
“واقعة خيرية”؟ أبداً. التاريخ لا يكرّر نفسه، لكن العبرة لمن قرأ في التاريخ فتواضع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل