
نظّمت كلية اللاهوت الحبرية في جامعة الروح القدس – الكسليك بالتعاون مع المركز الماروني للتوثيق والأبحاث ندوة عن “الخطاب السياسي للبابا بنديكتوس السادس عشر”، بحضور السفير البابوي في لبنان المونسينيور غابريال كاتشيا، المطران بولس روحانا، ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، النائب فريد الخازن، المطران سمير مظلوم، المطران ميشال الأبرص، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمه، المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والأبحاث المونسينيور سعيد سعيد، رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، عميد الكلية الأب أنطوان الأحمر، بالإضافة إلى عدد من الأساتذة والطلاب وحشد من المهتمين.
بدأت الندوة بكلمة ترحيب ألقاها عميد الكلية الأب أنطوان الأحمر شكر فيها المونسينيور غابريال كاتشيا والمتحدثين على مشاركتهم في هذا الحدث الذي يُعتبر بمثابة خطوة أولى من التعاون مع المركز الماروني للبحث والتوثيق. كما يشكل أيضا تكريما للبابا بنديكتوس الذي أحب لبنان”.
ثم ألقى السفير البابوي في لبنان المونسينيور غابريال كاتشيا كلمة الافتتاح شكر المنظمين على هذه المبادرة التي تعتبر مؤشر تقدير للبابا بنديكتوس السادس عشر الذي زار لبنان مؤخرا، معتبرا أن الزيارات البابوية المستمرة إلى لبنان تؤكد على أهمية دوره في الشرق الأوسط وفي الكنيسة الكاثوليكية”. ولفت إلى أن البابا بنديكتوس السادس عشر كان الوحيد من بين الكثير من الكرادلة الذي لم يعينه البابا مار يوحنا بولس الثاني، بل البابا بولس السادس. وهذا ما يعطينا الفرصة للتحدث عن الخطاب السياسي للبابا بولس السادس الذي كان أول بابا يزور مقرّ الأمم المتحدة ويتحدث أمام ممثلي جميع الدول الأعضاء”.
كما تحدث كاتشيا عن استقلالية البابا وترؤسه دولة الفاتيكان وقال: “من أجل البحث في الخطاب السياسي أيضا، من الضروري التنويه بأنه في الأمم المتحدة، هناك 184 دولة ممثلة وأن للفاتيكان علاقات دبلوماسية مع 180 منها. وهذا يعني أن هذه الدولة الصغيرة تضطلع بعلاقات مع العالم بأسره تقريبا، مع دول مسيحية وغير مسيحية، مع دول تعتنق الديانات السماوية ومع دول تعتنق ديانات مختلفة”.
وبعد كلمة الافتتاح، أدار الندوة المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والأبحاث المونسينيور سعيد سعيد الذي أشار إلى أن هذه الندوة ستعالج الخطاب السياسي لقداسة البابا بنديكتوس السادس عشر طوال توليه البابوية، وذلك من خلال النصوص التي جمعت في الكتاب الذي نشره المركز بمناسبة زيارة قداسته إلى لبنان في أيلول الماضي، مذكّرا “أن هذا الكتاب قدّم كهدية للبابا بنديكتوس السادس عشر، وقد ساهم فعلا في إدخال اللغة العربية رسميا إلى مقر الكرسي الرسولي”.
ثم حاضر أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية الدكتور مشير عون تحت عنوان “الفعل السياسي في خلفيته اللاهوتية” فشرح عن المنهج النسبيّ في مقاربة وقائع التاريخ مؤكدا أن بنديكتوس السادس عشر ينهج نهج المقاربة الكلية في استجلاء حقائق الوجود الإنساني، ولاسيما في المعترك السياسي. وهي مقاربة تحذو حذو المقاربة الكلية في الأمور اللاهوتية، حيث يجتهد الفكر الكاثوليكي المعاصر في ربط حقول الاختبار الإنساني، ولاسيما الإيماني منها، وحقائق الوجود التاريخي وميادين المعارف والعلوم بعضها ببعض”. كما تطرّق عون إلى المستندات الأصلية في بناء الفعل السياسي. ثم تحدث عن الفكر البابوي السياسي في قدرته على استثارة الأسئلة الأساسية.
وكانت كلمة للأب باسم الراعي عنوانها “قيم في عالم متحول” . ولفت إلى أن عنوان مداخلته يشير إلى إشكالية معقّدة لا جواب نهائي عليها وهي ربط المسرى التاريخي بالقيم، وتاريخنا البشري العام شاهد على هذه الإشكالية، وليس هنا المجال للتوسع في تعقيداتها. غير أن تاريخ الفكر حافل بمحاولات متعدّدة للإجابة على هذه الإشكالية، والبابا بنديكتوس السادس عشر هو ممن أرادوا الانخراط في هذه المهمة. كما أكد أن هدفه تبيان ضرورة القيم في نظر البابا في عالم متحوّل، وهي ضرورة تفرض ذاتها بسبب العقل الوسائلي ونتائجه الذي لا مكان فيه للثبات، فالعالم في مقاييس هذا العقل متغير باستمرار وينتج باستمرار، فأي قيم تثبت أمام هذا التيار الهادر؟ وخلص الأب الراعي إلى “أن في الابتعاد عن فهم الذاتية الإنسانية والارتباط بالواقع الموضوعي الذي يتجلى في الطبيعة والقانون الطبيعي، تقع البشرية في أزمة قيم، لأنها بهذا الفعل إنما تتنكر لمعقولية الوجود، أي إنها تتنكر للعقل لصالح الصدفة والعرض.
في الختام تحدث النائب فريد الخازن عن “الالتزام السياسي في ضوء الإيمان المسيحي” معتبرا أن ما من مسألة شائكة تقلق العالم في الشأن السياسي على مستوى الدولة والمجتمع ﺇلا وتناولها البابا بنديكتوس السادس عشر في الخطب والرسائل السياسية التي يتضمنها الكتاب.