#adsense

لا تغفلوا الانتخابات الإيرانية

حجم الخط

أغفل العديد من المحللين السياسيين الحديث عن الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة، مرجئين السبب في ذلك إلى أن المرشد الأعلى هو الذي يتخذ جميع القرارات السياسية الهامة على أي حال — وقبل كل شيء تلك المتعلقة بالبرنامج النووي. لكن يبدو أن الانتخابات الرئاسية تمثل أهمية لعلي خامنئي — ولهذا السبب تحديداً ينبغي أن تمثل أهمية بالنسبة للمراقبين في الغرب. ينبغي النظر إلى الانتخابات بوصفها إحدى المنتديات التي تبرز النوايا السياسية للمرشد الأعلى، بما فيها تلك المتعلقة بالمسألة النووية.

وعلى الرغم من أن المرشد الأعلى قد بذل العديد من المحاولات لكي ينأى بنفسه عن الخلافات السياسية المحتدمة، إلا أنه كثيراً ما وجد نفسه على خلاف مع الرؤساء الإيرانيين الذين كانوا يتطلعون إلى ممارسة سلطتهم التنفيذية ويحاولون انتهاج سياسات كانت تتعارض مع رؤيته. وقد انطبق ذلك بكل تأكيد على الرئيس محمد خاتمي، الذي سعى بكل قوة إلى إلقاء بذور الإصلاح على الصعيد المحلي ومد جسور للعلاقات على الصعيد الدولي. وربما لم يتملك الرئيس أحمدي نجاد الحرص على مد جسور للعلاقات على الصعيد الدولي، إلا أنه تبنى نهجاً شعبوياً وسعى نحو بناء قاعدة قوة مستقلة بالإضافة إلى نجاحه في إيجاد حالة من التنافر الشديد داخل النخبة عن طريق توجيه اتهامات متكررة بالفساد.

وعلى الرغم من رغبة علي خامنئي في رأب الصدع المستفحل داخل النخبة، إلا أنه أراد القيام بذلك على طريقته الخاصة. ودائماً ما كان خامنئي يتشكك في إبرام صفقات مع واشنطن — إذ أنه يرى أن الغرب يفسر التنازلات على أنها دليل على الضعف — وقد كان خامنئي بوجه عام يفضل تشديد الرقابة على النخبة السياسية، من أجل خدمة قيم المحافظين، وكان ذلك مقدماً لديه على التوصل إلى توافق عام في الآراء. وفي الواقع، منذ اعتلاء خامنئي لمنصب المرشد الأعلى، سعى جاهداً إلى تشكيل إجماع سياسي جديد يعكس فلسفته الخاصة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي اقتصادياً وإظهار العداء للولايات المتحدة.

وخلال انتخابات 2009، كان خامنئي على استعداد للتخلي عن كافة مظاهر الادعاء بأنه فوق الصراع السياسي الداخلي؛ ويبدو أنه كان يعتقد أنه بتدخله لضمان فوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية سوف يحول دون معاودة ظهور المزيد من الإصلاحيين والقوى البراغماتية التي يمكن أن تمثل تحدياً لتوجهاته السياسية بشكل أكثر مباشرةً. ولم يشك المرشد الأعلى كثيراً في أنه بعد إنقاذه للرئيس الإيراني أحمدي نجاد من الهزيمة فإنه سوف يتحداه ويصبح أحد مصادر التوتر الدائم — وهو الأمر الذي قد لا يهدأ حتى بعد مغادرة أحمدي نجاد منصبه الرئاسي.

لذا فقد قرر آية الله خامنئي الآن عدم ترك أي شيء للصدفة. فبعد استبعاد “مجلس الأوصياء” لكل من أكبر هاشمي رفسنجاني واسفنديار رحيم مشائي — لا شك أن ذلك يعكس رغبات المرشد الأعلى — قضى خامنئي على أية احتمالية لظهور مرشح مستقل. ولو كان هناك أي أمل في أن تمهد انتخابات الرئاسة الإيرانية طريقاً نحو مناهج سياسية مختلفة للتعامل مع الولايات المتحدة، فقد أكد خامنئي الآن وبكل وضوح بأن الأمر لن يعدو إلى ذلك. ينبغي النظر إلى ما يقوم به خامنئي على ما هو عليه ألا وهو: رغبته المتأصلة في منع المزيد من التحرر على الصعيد الداخلي وتسوية الخلافات على الصعيد الخارجي. وسوف يقدم الرئيس الإيراني المقبل فروض الولاء والطاعة له، ومن المفضل أن يعمل بمثابة نائبه الإداري.

وعلى وجه الخصوص، لاقى استبعاد رفسنجاني، أحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية، أصداءً واسعة. إن استبعاد مشائي — المدعوم من أحمدي نجاد، الذي كان على استعداد لتحدي مؤسسة الملالي وبناء نظام قومي شعبوي — أمر يعكس على الأرجح توافقاً عاماً في الآراء فيما بين المؤسسات التقليدية للجمهورية الاسلامية. لكن استبعاد رفسنجاني يمثل أمراً آخر تماماً. إن دعم رفسنجاني لأولئك الذين طعنوا في شرعية انتخابات 2009 قد أثار غضب المحافظين المتشددين بكل وضوح. ومع ذلك، فإن تاريخه دائماً ما كان يضمن له في السابق مكاناً ضمن النخبة السياسية.

إن استبعاد رفسنجاني يسمح للمرشد الأعلى بتجنب عدم اليقين فيما يتعلق بإجراء انتخابات رئاسية تشهد مرة أخرى إقبالاً واهتماماً كبيرين من الشعب الإيراني. وبوضوح، يريد المرشد الأعلى تجنب هذا النوع من الإثارة التي قد يحدثها رفسنجاني إذا ما واصل الإدلاء بتصريحات عامة، كما كان يفعل على مدار العامين الماضيين، حول حاجة إيران إلى إجراء إصلاحات اقتصادية والحد مما تعانيه البلاد من عزلة دولية (وهذا من ضمن الأفكار التي أكد عليها في السنوات الأخيرة). بيد أن إقصاء رفسنجاني من سباق الانتخابات الرئاسية يبعث إشارة مهمة إلى أي شخص يشعر بالقلق إزاء البرنامج النووي الإيراني. ولو كان المرشد الأعلى يرغب في إبرام اتفاق مع الغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكان قد أراد أن يصبح رفسنجاني رئيساً.

وأقول ذلك ليس لأن رفسنجاني كان قادراً على إبرام أي اتفاق من تلقاء نفسه — إذ كان يتحتم أن يحظى أي اتفاق يمكنه التوصل إليه بقبول المرشد الأعلى — ولكن لأنه إذا كان المرشد الأعلى مهتماً بالتوصل إلى اتفاق، فإنه على الأرجح سيرغب في خلق صورة بالقبول الواسع لها مسبقاً. وبدلاً من وضع بصمته عليها فقط، كان سيرغب في توسيع دائرة صنع القرار لتقاسم المسؤولية. كما كان سيمهد الطريق من خلال وجود شخص مثل رفسنجاني يترأس مجموعة من شأنها إيضاح الأمور بشكل مفصل للتوصل إلى تفاهم. إن تاريخ رفسنجاني كمساعد للخميني ورئيس سابق، يقيم علاقات مع “الحرس الثوري” والنخبة بشكل عام، سوف يصب في صالحه للاضطلاع بهذا الدور.

ولم يكن استبعاد رفسنجاني هو الإشارة الوحيدة التي تنذر بوجود مشاكل بشأن اتفاق نووي. فهناك أربع مرشحين من بين الثمانية المتبقين يتمتعون بصلات قوية مع المرشد الأعلى ومقربين منه وربما يتمتعون بمصداقية أكثر في المفاوضات وهم: علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي لشؤون السياسة الخارجية؛ محمد باقر قاليباف، رئيس بلدية طهران وقائد سابق في “الحرس الثوري”؛ حسن روحاني، رجل الدين والمفاوض الإيراني السابق مع الأوروبيين بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ وسعيد جليلي، ممثل خامنئي الحالي في المحادثات النووية مع مجموعة الخمسة + 1 — الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا. وفي حين أن أي من هؤلاء المرشحين يمكن — من الناحية النظرية — أن يفوز في الانتخابات، إلا أن حقيقة تركيز وسائل الإعلام الاهتمام على جليلي توحي بأنه مرشح خامنئي المفضل، على الرغم من تضاؤل ما يتمتع به من أوراق اعتماد مقارنة بالآخرين.

وإذا أصبح جليلي الرئيس الإيراني في نهاية المطاف، سيضحى من الصعب تجنب الاستنتاج بأن المرشد الأعلى ليس لديه سوى النذر اليسير من الاهتمام بالتوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني. وقد استمر جليلي، وفقاً لكل الروايات، في التعامل مع جميع المحادثات بحماس عقائدي والتزام تام بتوجيهات المرشد الأعلى، إلى جانب الاستعداد للحديث إلى الأبد دون التوصل إلى نتائج ملموسة. كما تدور حملته الانتخابية في هذه الآونة حول موضوع المقاومة — وقد بلغ الأمر به مبلغاً لدرجة أنه لا يتحدث كثيراً فقط عن المقاومة ضد “القوى المتعجرفة” على الصعيد الدولي وبصورة ضمنية عن القضية النووية بل إنه يتحدث أيضاً عن بناء “اقتصاد مقاومة”. وقد لا يثلج الشعار الأخير صدور الشعب الإيراني، إلا أنه يأتي عذباً حلواً على مسامع علي خامنئي.

ولو أصبح جليلي الرئيس الإيراني المقبل — وكونه أداة طيعة في يد المرشد الأعلى يجعله المرشح المثالي لشغل ذلك المنصب من ناحية خامنئي — فلن نحتاج إلى التكهن حول نوايا خامنئي وأهدافه في المفاوضات النووية. فهو من سيخبرنا بها.

دينيس روس هو مستشار في معهد واشنطن، وشغل سابقاً منصب المساعد الخاص للرئيس أوباما ومدير أقدم لشؤون المنطقة الوسطى في مجلس الأمن القومي الأميركي.

المصدر:
Washington Institute

خبر عاجل