#adsense

هل من “استراتيجية عمل” في مواجهة “حزب الله”؟

حجم الخط

 

تدفع مشاركة “حزب الله” في القتال في سوريا، وخصوصاً في “مرحلة ما بعد القصير” السمة المذهبية للصراع الى مرحلة قصوى، وتبرز الطبيعة الفئوية والأقلوية للنظام السوريّ بشكل نافر وفاضح، في بلد الأكثرية الساحقة من سكّانه من السنّة. قد يبدو هذا في جانب منه “خياراً انتحارياً” للنظام والحزب، لكن الدفع بهذا الخيار الى خواتيمه، رهن بطريقة استيعاب قوى الثورة السورية لطبيعة المرحلة والتحدّي. ففي سوريا، ثمة تناقض أساسي بين اعتماد استراتيجية توحيد الأكثرية السنية في مواجهة النظام، وبين اعتماد هوية أيديولوجية متطرّفة دينياً، فإذا كان البعد الديني لا مناص منه لأجل توحيد هذه الأكثرية، إلا أن الإكثار من أدلجته، وتوكيله للجماعات المتطرّفة، يأتي بنتائج عكسية. الثورة السورية تنتصر بالمزيد من الوعي لوجوب اعتماد “استراتيجية توحيد الأكثرية السنية في مواجهة النظام وحزب الله” من ناحية، وللكثير من الوعي والعمل في مواجهة المسار الذي يريد دفعها، يأساً من المجتمع الدولي، الى دوامة التطرّف.

بالتوازي، في لبنان، ومع قتاله في سوريا يكون “حزب الله” قد زجنا في مراهنة خطيرة: فإما “الكيان اللبناني”، كما لا يزال يمكن التعرّف اليه حتى الآن، وإمّا الـ”ميغا حزب الله”. أقل ما يمكن الاعتراف به في المقابل، أنّ اللبنانيين لا يملكون بعد من “استراتيجية عمل” في مواجهة هذه الاندفاعة القصوى من الجموح والصلف لدى هذه الجماعة المسلّحة، وهي جماعة إن دان الواحد منا ما تقترفه ردّت عليكَ بأنك تحرّض على طائفة بأكملها، وخاطبت طائفتها بأنها مهدّدة في وجودها، في حين أنّ الجماعة المسلّحة تنزّه نفسها عن هذه القاعدة، فتحارب “السنّي المعتدل” لأنه معتدل، وتحارب “السنيّ المتطرّف” لأنه متطرّف، وحتى “السنيّ الوسطي” لا ترضى به إلا في المواسم.

لقد أوصل “حزب الله” الانقسام المذهبي والسياسي بين المسلمين اللبنانيين الى مرحلة غير مسبوقة. مع ذلك، لا يمكن الفصل هنا بين النضال ضد كل ما يمثّله “حزب الله” وبين النضال لأجل محاصرة الفتنة المذهبية السنّية – الشيعية. لكن كل هذا سيبقى مجرّد عناوين عامة إن لم يجرِ وعي ما هو أساسي: لا يمكن وضع “استراتيجية عمل” حقيقية في مواجهة “حزب الله” إلا كاستراتيجية إسلامية مسيحية مشتركة، لا تتكل فقط على “التناقض السنّي – الشيعي”.

ثمة أمزجة صارت وراءنا. منها تصوّر أن المسيحيين سينقسمون الى ما لا نهاية بين “مسيحيي السنة” في مقابل “مسيحيي الشيعة”. ومنها تصوّر أنه يمكن أن يستفيد المسيحيون من الانقسام الإسلامي – الإسلامي لاستعادة “الدور”. ومنها أنه يمكن اعتماد سياسة “نأي بالنفس” مسيحية تجاه الانقسام الإسلامي – الإسلامي في لبنان.

في الواقع، المسيحيون يراقبون على طريقتهم ما يحصل في سوريا. نعم، موضوع “المجموعات المتطرفة دينياً” يقلقهم، وقضية خطف المطرانين تؤثر فيهم للغاية. كما أن الحسابات التي استعجلت انتصار الثورة في سوريا وانعكاساتها على لبنان قد أقلقتهم. لكن “ما بعد القصير” ثمة معطى أساسي يقلق المسيحيين: وهو أنّه يظهر لهم أنّ “حزب الله” يتعامل مع نفسه على أنه أكثر قوة في المواجهة الإسلامية – الإسلامية، وأنّ “لا شيء يوقفه”. هذا بحدّ ذاته يتحوّل الى موضوع قلق وجودي لدى المسيحيين. لأنهم باتوا يشعرون بالتهديد الذي يشكّله لهم “حزب الله” بشكل أقوى بعد القصير، ما دام التهديد الآخر قد توارى، إذا هم أخذوا بعين الحسبان رواية “حزب الله” نفسها، ومفادها أن “التكفيريين” هُزموا شرّ هزيمة في القصير ولن تقوم لهم قائمة. هذه الدعاية تفعل فعلها بشكل عكسي لدى المسيحيين. لأنّها تعني أنه لم يعد والحال هذه ما يمكنه أن يوقف في الداخل اللبناني جموح “حزب الله” للاستيلاء على البلد بشكل أوسع وتبديل طبيعته.

ثمة إذاً أكثر من أي وقت مضى، عناصر جديدة لتمتين قاعدة مواجهة مسيحية – إسلامية مشتركة في مواجهة “حزب الله”، وشرطها هنا أيضاً طبعاً، ترشيد عملية المواجهة، إسلامياً، مع “حزب الله”، وبقاؤها في إطار الدفاع عن الكيانية اللبنانية، وذهابها أبعد مما هي عليه الآن في تأكيد التسامح الديني بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، وطبعاً، مع وقف الكلام الشعبوي عن “المجوسية والساسانية والصفوية” وعقلنة الخطاب بشكل يساعد على بلورة استراتيجية عمل مسيحية – إسلامية مشتركة في مواجهة “حزب الله”، من دون أن تكون هذه هي حكماً استراتيجية “عزل حزب الله”، لأنه في الداخل اللبناني، ومهما كان ذلك صعباً أو مستعصياً، فلا يمكن أن يطرح اللبنانيون على أنفسهم برنامجاً سياسياً لـ”إلغاء حزب الله” إنما برنامج لـ”تغيير سلوكياته”، الى أن تتولى الطائفة الشيعية بنفسها، ومعها المتغيرات الإقليمية والدولية، عملية تجاوز هيمنته على هذه الطائفة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل