
كتبت كارلا خطار في “المستقبل”:
فجوة في الحقوق والحريات الخاصة والعامة نزفت في لبنان حين سقط هاشم السلمان شهيداً في ساحة الحريات التي تمسّ كل مواطن لبناني مؤمن بحقّه في التعبير عن الرأي وحرية التظاهر السلمي. لم يُقتل السلمان عن طريق الخطأ، ولم ينتحر في وسط الشارع، ولم يكن في ساحة حرب مع العدوّ.. إنه يشبه كل شاب لبناني عبّر عن رأيه في عهد الوصاية السورية وواجه خراطيم المياه وكل أساليب الضرب والتعذيب ومنهم من قُتل فقط لأن حريّته باتت تزعج حريّتهم و”تنكّد” عليها.
ولأن حرية السلمان كانت أعظم من أن تستوعبها مرتزقة القمصان السود التي لم تختبر الحرية سوى تحت عباءة الضاحية، تفجّرت اليوم، ووسط ثورات الشعوب العربية، قضية الحريات العامة التي يستبيحها ترهيب “حزب الله”، منتهكاً من خلالها حقوق الإنسان وكل ما يدور في فلك ترجمة هذه الحقوق في الدستور وفي الأعمال التي يمارسها المواطن اللبناني يومياً.
ولا بدّ من أن “حزب الله” فخور بإرهابه الذي قمع حرية السلمان أمام السفارة الإيرانية، منفّذاً رسائل التهديدات التي كان يوجّهها الى شباب من الطائفة الشيعية لا ينتمون الى “حزب الله” أو انشقّوا عنه. وعلى الرغم من عتمة المشهد، فسحة أمل واحدة ستضيء مصير لبنان في المستقبل وهي أن “حزب الله” وقع رهينة سلاحه لأن إرهابه كبّله بعد قتله السلمان، فتوحّد كل المجتمع اللبناني بكل طوائفه ومذاهبه ضدّه. ما كانت تسمّى “مقاومة” تحفر حفرتها بيدها، فأصبح حزبها منبوذاً من الداخل والخارج.
بكسره بلورة الحريات، فكّ “حزب الله” كل الخيوط الرفيعة التي كانت تربطه بالمجتمع اللبناني وبالشعب والوطن، ومعه ستسقط المعادلة المزوّرة “جيش وشعب ومقاومة” لتحلّ مكانها المعادلة الأصلية “جيش وشعب ودولة”.. السلمان كان وسيبقى الصورة الأكثر تعبيراً عن حرية لبنان، وحقوق على كل لبناني أن يطالب بها.. وهنا تكمن الأسئلة: من سيطالب بتحرير حرية هاشم السلمان؟ كيف ستواجه الأحزاب بغصن الزيتون حزباً يهدد حريتها بالقتل؟ وما الذي يمنع القيادات من المطالبة بالحريات والدفاع عنها وعمّا بقي منها في هذه الظروف؟
في هذا الإطار، يرى عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب فادي كرم بأن “الحريات كلّها لها أثمان تدفع، ولا يمكن لأحد ضمان عدم سقوط شهداء وهم بركة الثورات”. وأسف “لسقوط أوّل شهيد للحريات في وجه الطغيان الإيراني وأزلام إيران في لبنان ومشروعهم، نتأسّف صحيح ولكن العزاء أنه الشهيد الأول للحريات لأنه وقف في وجه “حزب الله” الذي يحاول أن يبني بلداً جديداً بذهنية جديدة ومفهوم جديد”. ويضيف كرم “في كل مرة نبدي أسفاً على الشهداء الذين يسقطون، لكن الشهادة هي ضريبة كسب الحريات”، متمنياً أن “ينال كل مجتمع في لبنان حريته في وجه الطغيان المفروض عليه اليوم”.
وعمّن “سينتقم” للسلمان خصوصاً ومن خلاله لكل الشباب المعرّضين لغدر “حزب الله” في الساحات السلمية، يعود عضو المجلس السياسي في حزب “الوطنيين الأحرار” فيليب معلوف الى “عهد الوصاية السورية للبنان حين كانت مجموعات من الشباب تعي حجم المخاطر التي تواجهها من دون أن تتوقف عن النزول الى الشارع وتعرّضت للقمع واستشهد الكثير من الشباب ثمناً لحرياتنا اليوم”.
ويتابع معلوف “تخلّصنا من الاحتلال لنواجه اليوم السلاح، فسلاح “حزب الله” يحتلّ لبنان ومواجهة هذا السلاح يجب أن تكون من خلال المقاومة السلمية التي اعتمدناها خلال فترة 15 عاماً من الاحتلال السوري وتمكنّا من الوصول الى خلاص لبنان على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمناها”.
ولكن كيف تتجلّى اليوم المقاومة السلمية؟ يشرح معلوف “هذه المقاومة السلمية لهذا النوع من الاحتلال ستنطلق وهذا يحتّم على قوى 14 آذار في هذه الفترة أن تحزم أمرها وتتّخذ قرارها بأن لا حياة تحت احتلال السلاح تماماً كما اتّخذنا قراراً في السابق بأن لا حياة في ظلّ الاحتلال السوري”. ويتابع “علينا مواجهة احتلال “حزب الله” للبلد بكل أنواع المواجهة السلمية على الرغم من التضحيات الكبيرة التي سنقدّمها”.
وتوجّه معلوف الى قوى 14 آذار وقياداتها قائلاً “المطلوب هو أن تحزم هذه القيادات أمرها، يكفي تخاذلاً فقد وصلنا الى مرحلة لا يمكن فيها مناقشة تأليف حكومة ولا الحديث عن دولة، في وقت تغيب فيه الدولة والحياة السياسية في ظل احتلال السلاح”. ويختم قائلاً “نحن اليوم بحالة احتلال من قبل سلاح “حزب الله” ويقتضي مقاومة هذا الاحتلال، ونحن لا ندعو لحمل السلاح بوجه السلاح وإنما علينا مواجهة الدولة الخاضعة والخانعة لاحتلال السلاح”.
هل يمكن، من الآن وصاعداً، اعتبار أن حرية كل لبناني مهدّدة بالموت قتلاً؟ يعتبر مفوّض الإعلام في الحزب “التقدمي الاشتراكي” رامي الريّس أن حزبه “نظر بكثير من القلق الى ما حدث ونحن استنكرنا لأننا نرفض رفضاً تاماً المسّ بمساحة الحريات العامة التي يتمتع بها نظامنا الديموقراطي الذي يشكل متنفّساً لحرية التعبير عن الرأي والتظاهر”.
ولكن عملياً، هل ستكون المواجهة من خلال الاستنكار للمسّ بالحريات؟ يردّ الريّس “على الأرض إنها مسؤولية القوى الأمنية والأجهزة الرسمية أن تكشف المتورّطين بهذا الموضوع وأن تحوّلهم الى العدالة”، ويضيف “نحن كحزب سياسي في لبنان نملك سلاح الموقف تأكيداً لرفضنا أي محاولات لتضييق هامش الحريات العامة وسنتصدى لذلك بما نملكه من إمكانيات”.
كيف سيدافع اللبنانيون برأيك عن حقوقهم وحقوق شبابهم وشهدائهم منعاً لتكرار القمع بالقتل؟ يردّ الريّس “طبعاً لن يكون دفاعاً وفق شريعة الغاب، فالطريق الأمثل هو التحقيق في هويات مطلقي النار وسوقهم الى العدالة ومحاكمتهم، كل هذا بالتأكيد في ظل منطق الدولة”.
وعمّا إذا كانت هذه الجريمة قد أقفلت الباب على الحريات في لبنان، يقول نائب الرئيس سعد الحريري النائب السابق أنطوان أندراوس “إن “حزب الله” دخل في نفق مظلم وهو يربّي الشرّ” ويتابع “الدمّ يجرّ الدمّ، فقد وصلنا الى مرحلة حرب أهلية، فإذا تابعت الأحداث سيرها كما هي اليوم فإن الشباب في لبنان سيثأرون”. ويضيف “هذا الحزب الإيراني أصبح حزب مرتزقة، يرتبط به الفساد على أنواعه و”الدمّ صار برقبته”، وهذا سيجرّ لمأساة كبيرة ليس فقط في لبنان إنما في المنطقة العربية كلّها”.
لكنّ حرية السلمان قُتلت على مرأى من الجميع، أليست هذه دعوة للدفاع عن الحريات العامة؟ يعلّق أندراوس “هناك خوف كبير من وقوع حرب أهلية في لبنان، والدفاع عن الحريات في هذه الظروف قد يجرّنا لحرب أهلية، والموضوع مرتبط بإيران وما يسمّى بالهلال الشيعي، أي العراق وسوريا ولبنان، ويسعون كلّهم الى جرّ المنطقة لحرب أهلية، ومنطقهم بالسيطرة غير وارد، لأنهم يقدّمون أكبر خدمة لإسرائيل خصوصاً أن هذه الحروب تريحها وهمّ الغرب أن ترتاح إسرائيل”.
ويختم أندراوس “إيران و”حزب الله” يعملان لخدمة إسرائيل، فلا يوهمنا “حزب الله” بعد اليوم أنه يريد تحرير القدس لأن كلامه “كذب بكذب” ولأنه ليس سوى حزب مرتزقة”.