#adsense

“الجمهورية”: مخاطر الأغذية المعدّلة وراثيا… أورام سرطانية وإعاقات

حجم الخط

أكثر من 70 في المئة من الأطعمة والأغذية التي نستهلكها، غير طبيعي نتيجة تغيير التركيب الجيني للنباتات والأغذية عن طريق استخدام تقنيات الهندسة الوراثية. وفي وقت تجهل غالبية المواطنين معنى عبارة «غذاء مُهَندس أو معدّل وراثياً»، تُلاقي هذه المنتجات إقبالاً كبيراً في الأسواق اللبنانية، وسط اتّساع الجدل حيال صحة استهلاكها، بعد صدور تقارير حذّرت من ارتفاع نسبة الإعاقات والأمراض السرطانية.

“معدَّلة وراثياً؟ ما المقصود بذلك؟”، “لم أسمع قط بهذه التسمية!”… هذه كانت الأجوبة التي حصلت عليها “الجمهورية” خلال جولة قامت بها لاستفتاء مدى اطّلاع اللبنانيين على “الأغذية المعدَّلة وراثياً” أوGenetically Modified Organisms، على رغم استهلاكهم شبه اليومي لهذه المنتجات المكدَّسة على رفوف المتاجر وفي المطاعم، وحتى في محلات بيع الأغذية الطبيعية. والسّبب يعود إلى غياب القوانين التي تفرض على مصدّر المُنتَج تعريف المستهلك بوجود تلك المواد، من خلال الكتابة على العبوات خشية إحجامه عن استهلاك تلك الأطعمة.

فما هي المحاصيل المعدَّلة وراثياً؟

تختلف الصياغة التعريفية لها، ولكنها تُبنى على أنّها كائنات تغيّرت فيها المادة الوراثية بطريقة لا تحدث بصورة طبيعية. والأغذية المعدَّلة وراثياً هي التي تمّ تطويرها من خلال علم التقنية الحيوية، والتي تعتمد على عملية دمج أو اتحاد الحمض النووي (dna) حيث يمكن فصل أيّ مورث أو جين من أيّ كائن حيّ، ووضعه في كائن حيّ آخر ومنها المحاصيل. هذه العملية تسمّى نقل الجينات المورثات أو عمليّة التعديل الوراثي، وهنا تُعرَف المحاصيل الوراثية والغذاء المستخرَج منها بالأغذية المعدّلة جينياً.

طُرحت الأغذية المعدّلة وراثياً للمرة الأولى في السوق عام 1990. ومن هذه المحاصيل المزروعة: فول الصويا، والذرة والكانولا والكتان لإنتاج الزيت، والقطن، وبنجر السكر، والباباي، والكوسه، والطماطم والبطاطا. ومعظم التعديل الوراثي هو إما لجعل المحصول مقاوماً لمبيدات الحشائش أو للحشرات أو لكليهما. وتقدّر نسبة المحاصيل المزروعة والمعدَّلة وراثياً في الولايات المتحدة الأميركية للعام 1999 بـ 65% من فول الصويا و31% من الذرة و40% من القطن، وفي كندا يزرع نبات الكانولا (لإنتاج زيت الطعام) المعدَّل وراثياً بنسبة 70% من المحصول الكلي لهذا النبات. وهذه المحاصيل تدخل ضمن التجارة العالمية لأنّ معظم المصدرين للمحاصيل الزراعية هي الدول التي تزرع فيها المحاصيل المعدَّلة وراثياً.

ونلاحظ أن أوستراليا والصين تنتجان 1% من الأطعمة المعدَّلة وراثياً، بينما تنتج الأرجنتين نحو 16%، وأميركا وكندا نحو 82% من الإنتاج العالمي، كما أن إنتاج الذرة بواسطة هذه التقنية يمثل نحو 37%، وفول الصويا يمثل 48% من الإنتاج العالمي.

لا دراسات جدّية

يشرح المدير العام لمختبرات RBML Microbiology labs الدكتور رامي خضر أن “التعديل الوراثي هو إدخال صفات وراثية جديدة على صنف ما من النباتات باستخدام التقنيات البيولوجية الحيوية، ما يحسّن نوعية المنتج الزراعي وجودته، فضلاً عن زيادة الإنتاج وذلك بإحدى طريقتين: إما تقليل تكاليف مدخلات الإنتاج أو زيادة إنتاج المحصول. ومن أهم الأمثلة لتقليل تكاليف الإنتاج هو نقل جينات “بي تي” المأخوذة من البكتيريا التي تعيش في التربة. وهذه الجينات تعطي المقاومة لكثير من الحشرات”.

تميل الأغذية المعدّلة جينياً إلى أن تكون متناسقة في الشكل وكبيرة في الحجم وبراقة المنظر خالية من التشوهات والعيوب المختلفة، بالمقارنة مع الأغذية العادية الأخرى. وتفيد التقارير أنه في بعض الحالات تدوم الأغذية المحوَّرة الفاسدة أشهراً عدة من دون أن يظهر عليها العطب أو الفساد.

وإذ يؤكد أنّ “عملية خلط الجينات أصبحت اليوم تخيف الجميع بحيث أصبح المستهلك لا يميّز بين ما هو معدّل وراثياً، وما هو طبيعي وما مدى تأثيرها الصحي”، يرى خضر أنّ “الخوف من زراعة وتناول الأغذية المحوّرة جينياً هو نتيجة عدم وجود دراسات جدّية تُثبت سلامتها من المخاطر الصحية”، لافتاً إلى “دراسة أجريت أخيراً خَلصت إلى أنّ المرأة الحامل التي تتناول هذا النوع من الأغذية قد تلد طفلاً ذي إعاقة أو تشوّه جسدي، غير أنّ هذه الاحتمالات لا تزال ضئيلة كونها جاءت نتيجة دراسات قصيرة المدى short-term studies، وبالتالي فإن آثار تناول هذه الأغذية قد تستغرق فترة زمنية لظهورها، خصوصاً أن تأثيرات الهندسة الوراثية لا تُكتشف إلّا بعد مرور سنوات تتحوّل معها الأغذية المعدَّلة وراثياً إلى ناقلات للجينات، ما يُحدث تغييرات وراثية يصعب التكهّن بتأثيراتها الصحية”.

ارتفاع نسبة الأمراض

الجدل حول الأغذية المعدَّلة وراثياً، إتّسع بعد صدور تقارير حذّرت من ارتفاع نسبة الأمراض المرتبطة بالغذاء عشر مرات منذ بدء استخدام الأطعمة المعدَّلة وراثياً في العام 1994. وهكذا تمّ رصد 250 إصابة مجهولة الأسباب نهاية العام 2000، تتفاوت أعراضها بين الإسهال وتسمّم الدم أو الإجهاض واضطرابات مزمنة في التنفس والجهاز العصبي. ويعتقد بعض العلماء أن ازدياد عدد المصابين بمختلف أنواع الحساسية، وكذلك الذين يعانون من البدانة إنما يرتبط بالمنتجات والمحاصيل المعدَّلة وراثياً.

درجات سمّية عالية

وفي هذا الإطار، يلفت النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية، أخصائي جهاز هضمي، لـ “الجمهورية”، إلى أن “الأبحاث التي أجراها باحثون أميركيون وأوروبيون على الفئران، تشير إلى ارتباط أعراضها الجانبية بأمراض خبيثة تكوّنت خلال فترة قصيرة. إلّا أنّ هذا المنطق يواجهه منطقٌ آخر ينتقد سرعة النتيجة التي تمّ التوصّل إليها خلال عدد ضئيل ومحدود من السنوات، فضلاً عن غياب أيّ أبحاث على البشر”. ويرى سكرية أنّ هذا النوع من الأبحاث “أثبت وجود صراعات مالية واقتصادية دائمة في خلفيّتها، ما يطرح علامات استفهام وقلق، خصوصاً بعد ظهور الأورام على نحو 60 في المئة من الفئران قيد الاختبار”.

ويذكر سكرية أنّ “ما أعلنه باحث بريطاني عن تسبّب الأطعمة المعدّلة بتعديلات جينية في جسم الإنسان، يُعتبر أمراً منطقياً وخطيراً، كون أي عمل علمي يتعرّض لتدخلٍ من خارج ترتيب الطبيعة بشكل متقدّم ويتم التلاعب بتكوينه وطعمه وشكله وسرعة انتاجه، لا شك أنه ستترتّب عنه مضاعفات”. ويضيف: “أثبتت الدراسات الطبية المختلفة أن المركبات الكيمياوية أو العضوية التي تتعرض لها المواد الغذائية، تحتوي على درجات سمّية عالية، وهي تعلق لفترة طويلة في التربة والماء والهواء لتتجمّع في نهاية المطاف في جسم الانسان أو الحيوان”، شارحاً ان “التداخل التقني الجيني لبعض الانواع من الاغذية عن طريق التداخل الوراثي، قد يحدث تغييرات جذرية في طبيعة تلك الاغذية، ما يؤدي إلى تغيّرات أو طفرات وراثية في المادة الوراثية (dna) المسبّبة لمعظم الأورام السرطانية، وخصوصاً في المعدة والكولون. وذلك فضلاً عن تأثيرها على النسل من جهة أخرى، وهو ما بدا واضحا خلال العقود الثلاثة الماضية، وفي لبنان تحديداً، حيث تراجعت نسبة الخصوبة بنسبة 20 الى 25 في المئة”.

حق الاختيار

وفي وقت تمانع بلدان كثيرة إدخال الأطعمة المعدَّلة وراثياً لقلة المعلومات المتوافرة حول المخاطر المحتملة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، تفرض أكثر من خمسين دولة، قانونياً، لصق علامة إلزامية على تلك الأطعمة حتى يتمكّن المواطن من ممارسة حق الاختيار ويكون على بيّنة مما يشتري.

على المستوى المحلي، ينتقد خضر غياب القوانين التي تلزم تحليل الأغذية لمعرفة هل كانت معدَّلة وراثياً أم لا، داعياً الدولة إلى “توعية المواطنين ومساعدتهم على اتخاذ القرار الصحيح، ما يتطلّب فحص هذه المنتوجات”. ويضيف: “إنّ كل فحص مخبري يكلّف 45000 ليرة لبنانية فقط، صحيح أنه غير متوافر في مختبرات الدولة، إلّا أنه متوافر في المختبرات الخاصة، ومهمّتنا تقتصر على إجراء الفحوص للبضاعة المصدَّرة إلى الخارج وتحديداً للمكسّرات، لأنّ الدول المستوردة، والخليجية تحديداً، تطلب شهادة منشأ تثبت خلوّ حبوب الذرة التي تصنع منها المكسّرات من التعديل الوراثي”. ويتابع: “لا يجوز أن تدخل المنتجات البلاد وُتسوَّق من دون علم المستهلك بمحتوياتها”، محمّلاً الدولة والأجهزة الرقابية ومصلحة حماية المستهلك المسؤولية كاملة: “إذ إنه لا سبيل لمعرفة هل تحتوي المنتوجات على أجزاء معدَّلة وراثياً من دون إجراء الفحوص والتحاليل المخبرية اللازمة عليها، وبالتالي يبقى القرار للمستهلك في انتظار الحصول على نتيجة حاسمة”.

ويلفت خضر إلى أنّ “التعديل الوراثي لحبوب الذرة مثلاً، لا يُحصر بجين واحد بل بـ 36 جيناً خاضعاً لتعديل وراثي، ما يتطلّب تحليل كلّ منها قبل إثبات أنّ المنتج غير معدّل وراثيا”.

فشل الاجراءات الوقائية

وعليه، يصبح لبنان بسبب الفوضى وتردّي الاوضاع الأمنية وضعف الانصياع للقانون والسلطة، مفتوحاً أمام غزو لا مثيل له من سلع وبضائع وأغذية ومواد، ما يفقدنا جانباً كبيراً من الحصانة. فالرقابة الصحية، وخصوصاً على الحدود والمنافذ الحدودية ضعيفة، إن لم نقل معدومة، كما أن فاعلية التهريب على أشدّها. الأمر الذي يستدعي مسارعة الجهات ذات الاختصاص (أي وزارات الصحة والزراعة والصناعة والتجارة ودائرة الجمارك) لبذل أقصى الجهود، وبالتنسيق مع المنظمات الدولية، لإيجاد الحلول الجذرية لهذه المشكلة، وإصدار تشريعات ولوائح صارمة ومنظّمة للمحاصيل المعدَّلة وراثياً، لتجنّب أو التخفيف من حدتها ومراقبة عملية انتشارها وتوزيعها. فضلاً عن اضطلاعها بمهمات توفير المستلزمات والمعدات والاجهزة المختبرية الدقيقة والمعقدة، لإجراء الفحوص والتحاليل اللازمة على تلك الاغذية وبيان مدى مطابقتها للشروط المطلوبة.

حاولت “الجمهورية” التواصل مع مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد للاطلاع على أسباب غياب الإجراءات الوقائية لمقاومة غزو عملية التعديل الوراثي وتوعية المواطنين، إلّا أنّ المديرية التي امتنعت عن التصريح من دون موافقة الوزارة، اكتفت بالقول إنّ “وزارة الزراعة هي المعنيّة بجزء كبير من هذا الموضوع، لأنّها الجهة المخوّلة إعطاء الإذن لدخول هذه الأصناف الى الأراضي اللبنانية”.

إذاً، في ظل غياب دراسات طويلة المدى ودقيقة لتقصّي الآثار والتأثيرات الصحية لتناول الأغذية المعدَّلة وراثياً، ولتفادي الشكوك والمخاوف والمخاطر المرتقبة وسط غياب الرقابة الصحية، لا خيار أمام المستهلك الحريص على صحته، سوى اختيار الأغذية أو الثمار الصغيرة غير منتظمة الحجم أو الشكل، والأقل لمعاناً وإشراقاً التي تنضج بسرعة وتفسد بسرعة، لأنها في الواقع متوازنة من حيث محتواها من العناصر الغذائية والطاقة، وتُعتبر الأكثر سلامة وأماناً ليتناولها المستهلك، حتى ولو لم تكن جميلة المنظر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل