إلى 14 آذار.. على من تعتبون؟

عشية حرب حزيران ، وفي اجتماع بعثي، وأمام “الطليعة الثورية الحزبية”، صرح وزير خارجية سوريا يومها الدكتور ابراهيم ماخوس مهوّناً الهزيمة ومستسهلاً مسألة احتلال الجولان قائلاً “لا يهم إن سقطت القنيطرة ولا حتى لو سقطت دمشق وحمص وحلب معاً فهي مجرد أراضٍ يمكن استرجاعها، لكن المهم هو عدم سقوط حزب البعث، فهو الوحيد القادر على قيادة الأمة العربية. لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي هو إسقاط الحكم التقدمي في سوريا، وكل من يطالب بتبديله هو عميل لإسرائيل…”.

في صيف سنة ، وفي صحوة ضمير نادرة، قال حسن نصر الله ما يلي “لو كنت أعلم أن خطف الجنود الإسرائيليين سيؤدي إلى النتائج المدمرة التي حصلت لما كنت أقدمت عليه لأسباب أخلاقية ودينية…”. سرعان ما تراجع حسن نصر الله عن هذه الصحوة وعاد مباشرة إلى الصلف والمكابرة الحزبية بناءً على المنطق التالي:” لقد انتصرنا على العدو الإسرائيلي لأن هدفه كان القضاء على المقاومة ولم يتمكن من ذلك!”.

كأنني أمام ابراهيم ماخوس ثانٍ، يعني لا يهم نصر الله الإجتياح الذي وصلت به قوات العدو إلى مناطق عميقة في الجنوب، ولا يهم دمار الجنوب ولا يهم شهداء وجرحى الجنوب، ولا يهم نزوح أهل الجنوب، ولا دمار الإقتصاد وحملات التسول التي أجبرت على الذهاب إليها الحكومة اللبنانية لتغطية آثار العدوان.

فالمهم لحسن نصر الله كما كان لابراهيم ماخوس هو بقاء الحزب، حزب البعث بفرعه السوري الممثل لـ”الطليعة القومية” والوحيد القادر على قيادة الأمة، و”حزب الله” كفيلق من الحرس الثوري الإيراني، قائد المقاومة والوحيد القادر على دحر العدو.
إذاً، فالمهم هو بقاء الحزب، أما الباقي فتفاصيل سخيفة وثانوية مثل عدد القتلى والمعاقين ودمار الأبنية وانهيار المؤسسات وتفتت التركيبات الإجتماعية والإقتصادية، فبالأساس كلها باطلة بالنسبة إلى عقيدة الولي الفقيه لأنها ليست تابعة له وليست مقدِسة لحكمه وليست مقدِرة لحكمته.

وحتى فلسطين التي يسهب نصر الله في كل خطاباته في الحديث عنها، فأهميتها بالنسبة الى حزبه هي أنها تعطيه الفرصة لاستخدامها لتغطية مشروع تسلل ولاية الفقيه إلى عقول الملايين من البشر اليائسين من تجارب أحزاب ومنظومات سبقت “حزب الله” على استخدام فلسطين مثل حزب “البعث” بشقّيه السوري والعراقي، والأحزاب القومية بأشكالها المختلفة، واليسارية من لينينية إلى تراوتسكية إلى ستالينية إلى ماوّية.

ما لنا ذلك وكله اليوم، فما يضحكني ويبكيني هو كلام العتب السخيف والمتكرر الذي يطبع خطابات وتصريحات قيادات قوى آذار ابتداءً بالسابع من أيار، مروراً بالقمصان السود، إلى أن وصلنا اليوم إلى القصير، وقد تستمر نغمة العتب مستقبلاً في مغامرات حزب الولي الفقيه في حمص وحلب وغيرهما.

والغريب هو إصرار قادة ثورة الأرز على تحذير حزب ولاية الفقيه من خطر الفتنة المذهبية وكأنهم يظنون أن هذا التحذير سيؤدي إلى توعية ضمائر قادته المأمورين، أو أعضائه المؤمنين أو حتى بعض جمهوره المأخوذ بوهج القوة والتفوق، وحشرهم في زاوية يجعلهم يراجعون حساباتهم مع الأمل بأن ذلك سيغيّر من وقائع الأمور.

عفواً سادتي قادتنا في آذار، فحسن نصر الله وأركان حزبه يهزأون من خطاباتكم، وفي أحسن الحالات يعتبرونها مكابرة من ضعفاء لا حول لهم ولا قوة إلا الكلام.

صحيح أن مشروع ولاية الفقيه حاول منذ بدايته التستر تحت شعارات وحدوية إسلامية، وأظن أن دعوة مؤسسه في العصر الحديث آية الله الخميني لم تكن ذات خلفية صفوية. لكن الحقيقة الثابتة هي أن الخلفية العقائدية والأساطير التي بنيت عليها مرجعية ولاية الفقيه ذات الجذور المهدوية، ستتواجه عاجلاً أم آجلاً مع عقيدة الأكثرية الساحقة من العالم الإسلامي، وبالأخص العربي. لقد تمكن “حزب الله” من تمويه أهدافه المذهبية الطابع تحت وهج مشروع المقاومة الذي نسجه في خيال البشر التوّاقين إلى انتصار، ولو معنوي، على إسرائيل، ولا شك في أن إسرائيل بتجبّرها وعدوانيتها وحتى بإعلامها ساهمت في دعم هذا الوهج وتأثيره على الناس.

لقد أكدت أنا في مقالات سابقة منذ موقعة السابع من أيار أن “حزب الله” تخطى مرحلة الحذر المذهبي، وأنه انتقل في لبنان إلى مرحلة السفور في إعلان عقيدته وإلى التعسكر الواضح وراء جمهور متماسك مذهبياً تحت تأثير موروثات ثقافية تم تناقلها عبر الأجيال. وأكدتُ مراراً أنه يجب عدم التعامل مع ذلك الأمر على أساس أن الإمعان في الإستفزاز المذهبي غلطة أو سقطة أو هفوة، بل على أساس أنه نهج مدروس من قبل الحزب.

أما اليوم فإن تكرار منطق العتب “الجارح” من قبلنا لن يغيّر في الواقع شيئاً وسيقابل بتجاهل أكبر! فما نملكه نحن لسان طويل وعناد خطابي ليس إلا! أما الحزب فمعه السلاح، وفوق ذلك فهو لديه القدرة المفتوحة على تحليل الدم وتسويغ العنف تحت شعار خدمة الأهداف ذات الطابع الاستراتيجي.

إن الواقعية السياسية يجب أن تدفعنا، وبكل موضوعية، إلى اعتبار ما يخوضه حزب ولاية الفقيه، لا بل مشروع ولاية الفقيه، معركة حياة أو موت في سوريا. فأي تغيير ولو جزئي في تركيبة النظام هناك يعتبر نكسة خطيرة للمدى الجغرافي لامبراطورية ولاية الفقيه، ولا يهم “حزب الله” إن كان بشار الأسد مقاوماً أو عميلاً اسرائيلياً، المهم هو أن يكون مرهوناً وتابعاً بالكامل لقيادة المرشد الأعلى.

وأي حكم مستقل عن ولاية الفقيه يأتي إلى سوريا هو عدو لـ”حزب الله” حتى وإن أعلن منذ اليوم الأول حرب التحرير المفتوحة في الجولان على الطريق إلى فلسطين.

الواقع المؤكد هو أن “حزب الله” و”الحرس الثوري” والميليشيات العراقية تقاتل اليوم في سوريا دفاعاً عن طهران وعن وجود مشروع ولاية الفقيه بالتحديد، لأن هذا النوع من الأنظمة يستمد سلطته من وهج القوة والقدرة على التحرك خارج حدوده وتهديد استقرار الآخرين.

وبما أن اسطورة ولاية الفقيه مبنية على وجوب توسيع رقعة السيطرة على أكبر مساحة من الأرض الإسلامية “ليعتاد الناس على الحكم الإسلامي مما يشجع المهدي على العودة!” فإن خروج سوريا عن سلطة الولي الفقيه سيؤدي حتماً إلى تضعضع وضع “حزب الله” في لبنان لاسباب منطقية وسيدفع شعب إيران المأخوذ بأسطورة المهدوية إلى طرح تساؤلات ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى التغيير في معالم السلطة.

هناك، وبحسب المعطيات الواقعية، فلن يكون هذا التغيير سلمياً.
ما عنيته مما سبق هو أن العتاب يصبح نوعاً من العتت إذا تم توجيهه إلى من عقد العزم على تخطي كل العوائق الأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية في سبيل إنقاذ أسطورته، وهذا هو حال “حزب الله” اليوم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل