من الرابية حتى القصير، يمتدّ “حبل” التفاهم بين رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون وحليفه “حزب الله”.. متحالفان في لبنان ومتّفقان حول القصير بعد “كرّ وفرّ” بين الجنرال والتفاهم، حتى كان التفاهم هو الغالب و”حزب الله” هم غالبوه، فتحوّل شعار “التيار” من “عونك جايي من الله”، كما تقول كلمات أغنيته، الى “عونك جايي من “حزب الله”!”.
ويأتي العون من “حزب الله” بكل الطرق، إلا أن أبرزها عونه بالدفاع عن حقوق المسيحيين! كيف؟ حين تجول مواكب الحزب في المناطق المسيحية وتطلق النار مرهبة السكان ومهددة المواطنين في عقر دارهم، وحين تنقل تلك المواكب جثامين التشييع من منطقة الى أخرى مروراً بالمناطق المسيحية حيث تسبّب إطلاق النار في المرة الأخيرة بإصابة امرأة بانهيار عصبي. وكذلك حين يدخل شبان من المناطق المسيحية الى الضاحية الجنوبية فيستضيفهم الحزب في غرفه السوداء للتحقيق وطلب “النشرة” وملء استمارة عن معلومات وتوجيه اتّهامات للشبان بانتمائهم الى قوى 14 آذار..
فقبل كل شيء، وإن أراد المواطن أن يعرف ماذا في القصير.. عليه أن يعرف ماذا في لبنان! فالجنرال “نام” على قتال “حزب الله” للأطفال والنساء والشيوخ بطريقة وحشية في القصير واستفاق من سباته على وقع الاحتفالات.. أما وقد تحقق “النصر الإلهي” فيمكن للجنرال أن يبدي رأياً في الموضوع، فهلل فرحاً وصفّق لحلفائه في “الممانعة”.. نجح “سقوط القصير” إذاً يمكن وبكل بساطة لكل متردد أن يدافع عن تدخل “حزب الله” في القتال، تماماً كمن ينتظر نتيجة مباراة في كرة القدم ليحسم أمره ويقف الى جانب الرابح وإن كان الحكم “المتواطئ” أو “المتآمر” هو السبب في خسارة الفريق الآخر.
وأن يكون “حزب الله” طرفاً أساسياً في القتال في سوريا، لا يؤثر، برأي الجنرال، على ما يدور في الداخل.. فالسياح بدأوا بالتوافد الى لبنان يجولون في كل المناطق، من مطار رفيق الحريري الدولي الذي يستقبل ويودّع شخصيات سورية محظورة، الى الشياح التي تشهد يومياً مواكب تشييع وإطلاق نار تُسمع حتى عين الرمانة والحازمية، والى زيارة القلاع والهياكل وأشهرها صورة الأمين العام لـ”حزب الله” على هياكل بعلبك. هذا فضلاً عن قدوم كل المغتربين اللبنانيين للاصطياف في قراهم، فتنطلق الألعاب النارية قادمة من سوريا، احتفاء بعودتهم في البقاع وعرسال وعكار..
أيها اللبنانيون “كبّروا” عقلكم فما تأثير قتال “حزب الله” في القصير، إن كان الشباب قد عادوا من الدول العربية بحثاً عن عمل في لبنان، ليس لأن اللبناني بات منبوذاً في العالم العربي، إنما لأن الأوضاع الاقتصادية مزدهرة ولأن فرص العمل متوافرة وتكفي لكل اللبنانيين.
ويأتي موقف جنرال الرابيه دفاعاً عن تدخل “حزب الله” في القصير، تعويضاً عن عدم إدلائه بأي موقف على أثر قتل ميليشيا الحزب هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية.. إرادة من هي التي تفرض الدفاع عن القصير والسكوت عن الحقّ في قضية هاشم؟ ربّما سيحسم الجنرال رأيه في إطار اغتيالات “حزب الله” بعدما يغتال الحزب اللبنانيين فرداً فرداً ليمنعهم من اعتراض طريقه الى الجنة عبر تكفيره كل الشعب اللبناني.. فهل من يقتل فرداً من أهل طائفته سيحمل الخير لحليفه أو لأهله؟
في كل الأحوال، فإن شباب “التيار الوطني الحرّ”، حين كان هذا التيار حرّاً بما تعنيه كلمة حرية من استقلالية في عهد الوصاية، كانوا يواجهون بصدورهم مع رفاقهم في قوى 14 آذار التعذيب وتنكيل جيش النظام السوري بهم.. فهل يتنكّر الجنرال اليوم لما عاناه شبابه وغيرهم ممن قضوا شهداء على مذبح الوطن لإسكاتهم؟ وإن لم يرَ الجنرال أو يشهد على جرائم حليفه في القصير، تراه لم يلقِ نظرة على الاغتيال العلني والمباشر لهاشم؟
لكن ما “يحرق” قلب الجنرال، هم النازحون السوريون وخصوصاً الجرحى منهم فيقول “هناك جرحى يدخلون إلى لبنان بالمئات، وهنا لا بد أن نتساءل: بناء على أي اتفاقية يدخلون، ومن يرعاها؟” فقد ظنّ عون بأن إدخال الجرحى والاعتناء بهم يجب أن يتم بناء على اتفاقية بين النظام السوري والحكومة اللبنانية، كالاتفاقيات “المسارية والمصيرية” التي ربطت البلدين.. فيما أن إغاثة جرحى الحرب تعود الى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان المنقولة من اتفاقية جنيف لحماية جرحى الحروب. وما كان هذا العدد الكبير من الجرحى ليأتي الى لبنان لولا قتال حليفه للشعب السوري.. وإذا كان الجنرال متضايقاً من الجرحى والنازحين، فعليه إما أن يلوم نفسه وإما أن يقصّر “حبل” تفاهم القصير.