وجه النائب بطرس حرب كتابا مفتوحا إلى رئيس المجلس الدستوري والأعضاء، جاء فيه:
“إن ما يدفعني إلى توجيه هذا الكتاب المفتوح هو قلقي العميق على وجود الدولة والنظام، وخوفي الكبير على الجمهورية وقيمها الإنسانية والأخلاقية والديموقراطية.
إن الحال الخطيرة التي بلغتها البلاد تهدد الكيان والوطن والدولة، وتنذر بأسوأ النتائج على صعيد الإنسان اللبناني وحرياته وسعادته.
فلم يعد يخفى على أحد أن النظام السياسي الديموقراطي قد تعطل بصورة نهائية، يوم قامت، إلى جانب الدولة الشرعية، دويلة غير شرعية مسلحة مدربة، تدين بالولاء لغير لبنان، وتخضع لأوامر وإرشادات قيادة غير لبنانية، قيادة لها مخططاتها ومشاريعها في المنطقة والعالم، ولها من المصالح ما يتعارض مع مصلحة الدولة اللبنانية وشعبها.
في النتيجة تعطل النظام السياسي، وطارت الديموقراطية، وتم الانقلاب العملي على الدستور، وتحول نظامنا من نظام ديموقراطي برلماني إلى نظام توافقي مزعوم، يتمتع فيه مالكو السلاح غير الشرعي وحلفاؤهم بحق الفيتو على أي قرار سياسي لا يوافقون عليه، كما يتمتعون بالقدرة العسكرية على فرض رأيهم بالقوة على الدولة الشرعية وكل مكونات المجتمع، فأصبح اختيار رئيس الجمهورية لا يستند إلى برنامج المرشحين وتاريخهم وتطلعاتهم وأخلاقياتهم وكفاءتهم، بل نتيجة توافق على شخصية لا رؤية سياسية معروفة لها، ولا خبرة وتجربة سياسية لها، ولا مواقف سياسية معروفة لها، وهو ما يحول ولاية هؤلاء الرؤساء إلى صندوق مقفل لا تعرف ما في داخله إلا بعد اختياره وفتحه، فإما يفاجئك إيجابا، كما هي الحال مع فخامة الرئيس سليمان، أو يفاجئك سلبا”.
وأضاف: “ينساق الأمر على مجلس الوزراء، الذي تحول بحكم سطوة السلاح، إلى حلقة صراع للقوى السياسية حول الوزارات والنفوذ والمال والصفقات، أكانت الحكومة حكومة لون واحد، أم كانت حكومة تجمع مختلف القوى السياسية المتصارعة.
لم يعد تشكيل الحكومات يحصل كما ينص عليه الدستور، بل أصبح مناسبة لتكريس الاقطاعات السلطوية والمالية وتقاسم المغانم، وكأنها سبايا الحرب التي يخوضون من أجل السلطة والحكم. وسقطت طبعا الرقابة، برلمانية كانت أم قضائية، وغابت المساءلة والمحاسبة، ولم تتفق القوى السياسية إلا على توفير الحماية لبعضها البعض، على حساب المصلحة العامة وعلى حساب حق اللبنانيين في الحياة الكريمة في دولة توفر لهم الحرية والعدالة الاجتماعية والازدهار”.
وتابع: “ازدهار حالة الحكام وإثراء المسؤولين أصبح الهدف، بدل أن يكون إزدهار الوطن وتخفيف معاناة اللبنانيين هو الهدف. فلا حسيب قادر، ولا رقيب راغب، ولا حياء باق، ولا أخلاق رادعة. والأغرب أن نسمع دفاعا عن وزراء فاسدين يثرون بصورة غير شرعية على حساب أموال الشعب من يقول: ألم يسرق غيره قبله؟ يا للعار والخجل!
الطامة الكبرى أن نرى شمس العدالة آفلة في لبنان بسبب ممارسات شاذة لبعض الهيئات القضائية، التي نكست بقسمها في إحقاق الحق والعدالة، والتي تواطأت مع المجرمين ضد الضحية، فسخرت نفسها في خدمة أصحاب النفوذ لبلوغ بعض المراتب العليا ، والتي انحرفت عن دورها سعيا وراء جاه أو مال، أو إرضاء لنافذ أو صاحب فضل في تعيينه، أو تعصبا لمذهب أو حزب أو عائلة. والأدهى أن لا يحرك وزير العدل دعوى ضد أحد المراجع القضائية السابقة وأن تتعطل ملاحقته بسبب ذلك.
إلا أننا لم نفقد الأمل، لأنه لا يزال لدينا قضاة ننحني إحتراما لعلمهم وأخلاقهم وكفاءتهم، ولهم منا ألف تحية وتقدير، ولنا فيهم بقية من أمل في أن يبقى للعدالة معنى في لبنان”.
وتابع: “لأن الحال أصبحت، بكل أسف، كما اختصرت بوصفه أعلاه، ولأنني بت خائفا على ما تبقى من مؤسسات الدولة، أتوجه إليكم بهذا الكتاب المفتوح لتذكيركم بأن إنشاء المجلس الدستوري يشكل أحد أهم الإنجازات الإصلاحية في نظامنا السياسي، باعتباره يفترض أن يضم العلماء والحكماء والنزهاء، بحيث يتمكن من منع الانزلاقات السياسية والقانونية المتعارضة مع أحكام الدستور، ولكي يحمي صحة العمليات الانتخابية التي تنتج السلطة في البلاد.
أعترف بأننا، بالرغم من الجهود التي بذلناها، لم ننجح بكل أسف في وضع الآلية الجديدة لتعيين أعضاء المجلس الدستوري، لكي لا يدينوا لأي زعيم أو حزب أو مسؤول باختيارهم، ولكي يكونوا الحراس الحقيقيين للنظام وقيمه.
ولا أذيع سرا إذا ما قلت، إن المجالس الدستورية المتعاقبة لم تكن بعيدة عن التأثيرات والضغوط السياسية، وهو ما حول بعض قراراتها الغريبة إلى نقاط سوداء في سجل المجلس الدستوري، وما أفقده الكثير من البريق والأهمية التي حاولت هيئة المجلس الدستوري الأول إعطاءه إياه”.
ورأى أنه “بالرغم من العثرات التي تعرضت لها مسيرة المجلس الدستوري، وبالرغم من الصراعات السياسية التي واكبت تعيين أعضائه، بقي المجلس، على علاته، صامدا مستمرا في ممارسة صلاحياته.
إلا إن ما يحصل اليوم من تعطيل لدور المجلس بسبب قرار ثلاثة منكم مقاطعة الجلسات، بما يعطل النصاب القانوني لانعقاده، يشكل بنظري الضربة القاضية لهذا المجلس وللنظام الدستوري القائم في البلاد.
أسوق هذا الكلام من موقع من وافق على قانون تمديد ولاية مجلس النواب لمدة سبعة عشرة شهرا، تسهيلا للتوافق على كيفية مواجهة مخاطر المرحلة الدقيقة التي تجتازها المنطقة والبلاد، ورغم أنني كنت من الداعين إلى تمديد لا يتجاوز الستة أشهر، أسوق هذا الكلام مع معرفتي أن إجتماع المجلس الدستوري قد يؤدي إلى إبطال القانون الذي ساهمت في إقراره، إلا أن ذلك لا يمكن أن يدفعني للقبول بتعطيل المجلس الدستوري، وبأي حجة كان، خوفا من أن يبطل المجلس قانونا وافقت عليه.
فمبدأ الرقابة على دستورية القوانين، وبالتالي المحافظة على المجلس الدستوري، يتجاوز بنظري مناورة منع المجلس الدستوري من إبطال قانون ما، ولا سيما وأن مجلس النواب قادر، في حال أبطل القانون قبل إنتهاء ولايته، على إقرار قانون آخر لتمديد قصير للولاية لكي تتمكن الحكومة من إجراء الانتخابات،، وفي حال لم تتغير الظروف الاستثنائية، وبقي إجراء الانتخابات متعذرا، كما هي الحال الآن، يمكن للمجلس النيابي الممددة ولايته لمدة قصيرة، أن يمدد مرة أخرى الولاية بحكم الظروف الاستثنائية المستمرة”.
وختم: “يا أيها الأصدقاء أعضاء المجلس الدستوري، وكلكم من رجال الفكر والعلم والاحترام، ليس بالأسلوب الذي تعتمدون تحمون البلاد من الفتنة، لأن تفريغ المؤسسات هو أم الفتنة، وإسقاط دور المؤسسات الدستورية هو تحفيز على الفتنة، ولأن مصادرة حرية القرار لمن يتحملون مسؤولية إتخاذ القرار هي ممارسة ديكتاتورية تؤدي إلى الفتنة، فالعودة إلى ممارسة واجباتكم هي الطريق لحماية النظام، وبالتالي الانتظام، وهو ما يدفعني إلى توجيه كتابي هذا إليكم راجيا إياكم ألا تستمروا في ما تقومون به لئلا تتحولوا من هيئة حراس النظام والدستور إلى جمعية دفن النظام الديموقراطي اللبناني الذي شاركتم في قتله”.