|
|
حفلت الساحة اللبنانية قبل أيام بسلسلة من التحركات العديدة، ضد غزوة حزب الله للقصير، وحربه الضروس على الشعب السوري المنكوب بنظامه وشبيحته وأعوانه في الداخل وفي الخارج. أبرز هذه التحركات ذلك التجمع الذي احتشد أمام السفارة الإيرانية بكل ما ومن تمثل، وبكل مؤامراتها على العالم العربي وأوامرها الموجهة إلى من يأتمرون بقراراتها وإشاراتها. هذا التجمع الشيعي الجنوبي المتمثل بأنصار حزب الإنتماء اللبناني، أقدم على مبادرة غاية في الجرأة فوضع هو أيضا إصبعه على الجرح وعلى الوجع وعلى وكر الدبابير التي أفلت بعضها حيثما كان، وبعضها الكثير الوفير الآخر يتهيأ للتفلت… أينما كان.
حزب الله وملحقاته، وبقمصانه السود،وقد تابع مواقفه ورسائله الدموية،جابه المتجمعين قرب السفارة الإيرانية،بالرصاص الحي وبالضرب بأعقاب المسدسات وبالعصي المجنزرة المعدة لهذه الغاية، وقد استشهد أحد المتظاهرين بعملية قتل عمد وبدم بارد، وجرح آخرون فـي متابعة حثيثة للغة الدم والتأديب والترهيب إلى درجة القتل العمد، في مواجهة أولئك الأبناء الذين تجرأوا على رفع الرأس وإبداء الرأي والإعتراض على عملية الغزو وتوريط لبنان توريطا خطيرا بما لم يسبق أن تورط به على الإطلاق، فبعد ظهور تململات شيعية واضحة، وبعد تصاريح كبار علماء الشيعة وعقلائها وبينهم رئيس حزب الله السابق سماحة الشيخ الطفيلي وسماحة السيد علي الأمين وسواهم من كبار رجال الدين وفي طليعتهم كذلك،تحركات لمثقفي الشيعة ومخلصيها من ذوي الإتجاهات الوطنية الصافية والقومية والإسلامية النقية، وبعد تململات مكتومة في صفوف حزب الله نفسه على اختلاف فئاتها ودرجاتها،وبعد تململات أخرى مكبوتة،لبعض ذوي الضحايا من مقاتلي الحزب الذين قضوا في الحرب على سوريا والسوريين، فعادوا،رحمهم الله، جثثا لعلها تشكو لخالقها ما حل بها نتيجة للغزوة « العصماء»، بعد كل ذلك وبعد بدايات التحركات الأخرى على الصعيد الوطني والإسلامي، وبعد أن تحسس ذوو العلاقة بما هو راقد حتى الآن، تحت الرمال المتحركة والرماد المتأجج، لا بد أن مسؤولي الحزب قد أحسوا بشيء من الخطر وتلمسوا ما يمكن أن يلحق به من ضرر أكيد، وبدلا من يعودوا عن غزواتهم ومشاركتهم في مذابح القصير وآثامها والتهيؤ الى توسيع نطاق الغزو في قلب وصلب المناطق السورية الأخرى، إذا بهم يمارسون على عادة اتخذوا منها قاعدة لهم،الا وهي المجابهة بالحديد والنار والقتال والإغتيال، موجهين فوهات سلاحهم هذه المرة الى المحتجين الشيعة على الأرض اللبنانية، وكأنما يضربون المثل بذلك،على ما هو مقبل من مواجهات وتوجهات.
وها هو رئيس حزب الإنتماء اللبناني في مؤتمره الصحفي الذي عقده عقب عملية التعرض المسلح للمحتجين وبتحرك سلمي خالص ومرخص له من وزارة الداخلية، وعلى مرأى من جنود الوطن ورجال الأمن الذين لم يحركوا ساكنا تجاه ما رأوه مطولا بأم العين، وبسكوت مطبق من مسؤولي الحزب، كأنما يؤيدون بصمتهم عملية القتل المشهودة.وها هو رئيس حزب الإنتماء اللبناني يصرح: إن أحدنا قد استشهد وهو شاب شيعي ابن شيعي حفيد شيعي،ومتسلسل من انتماءاته الشيعية الصافية.
وفي الوقت نفسه، يقفز الحزب وينط من فوق الحواجز التي اخترعها لنفسه ولغزوته، وبعد زعم الحفاظ على المقامات الدينية وفي مقدمها مقام السيدة زينب، وبعد زعم الحفاظ على أرواح ودماء اللبنانيين الشيعة الذين» استنجدوا «باخوتهم وأبناء عمومتهم اللبنانيين «لإنقاذهم»، وبعد « دعوة اللبنانيين الآخرين المقيمين في الوطن، إلى التقاتل مع الحزب على الأرض السورية بدلا من الأرض اللبنانية، وبعد قفزة أخيرة صرحوا فيها أنهم لن يسمحوا للنظام السوري بأن ينهار ويقبلوا بمحاولات طعن المقاومة في ظهرها، ها هم اليوم على ما يبدو يستمرون في غزوتهم وفي تطويلها وتطويرها وصولا إلى حمص وإلى حلب وإلى الساحل السوري، معتمدين شريطا طويلا عريضا ممتدا من البقاع اللبناني وصولا الى ما بعد الحدود العراقية وبما يخدم أهدافا إيرانية بحتة، كل ذلك دونمـا أية مراعاة للبنان ولأوضاعه ولمصالحه وسلامة أرضه وأبنائه ووحدته الوطنية، بل من خلال تنصل كامل من ارتباكات وطنية كان لا بد من أن يتوفر نقيضها في علاقات أبناء البلد الواحد وتعايشهم ودونما احتساب إلى وجود ما أسمي في النشأة اللبنانية بالميثاق الوطني وبما لحقه من مواثيق قريبة وبعيدة، وكل ذلك،مع معاملة اللبنانيين جميعا بتصرف فوقي دونما مراعاة لأوضاع الفئات الأخرى والمذاهب المختلفة ومصيرها في هذا الشرق الواسع وفي طليعتها، أوضاع الشيعة اللبنانيين الذين نخرت بعضهم سوسة إيران وتدخلاتها ومداخلاتها حتى لباتت البوصلة الأساسية التي يسيرون على هديها، وحتـى لباتت المصالح والمطامح الإيرانية التي تسيطر على مجرى الأحداث في لبنان، تأتى قبل أية مصلحة لبنانية، بما فيه المصلحة الشيعية. وبالتدخل الإيراني، إنقلب الوضع الشيعي في لبنان بعمومياته، من كيان عهدنا طيلة أجيال، أنه يجيء في طليعة المدافعيـن عـن لبنان السيد الحر المستقل، المؤمنين بعيشه المشترك وسيادة أراضيه، إلى جهة تكاد أن تدير ظهرها إلى هذا الوطن المنكوب والى أبنائه وفئاته جميعا، وبات الحزب وحده، قائد البلاد بكل ايديولوجياته وثقافته وغراباته البعيدة عن أوضاع هذا الوطن وعن تنوع فئاته وجهاته، ووصل في ذلك إلى حد استدارته عن التوجه جنوبا، نحو العدو الإسرائيلي فإذا به متوجها تارة ضد أخوته في الوطن ( 7 أيار )،وصولا في ذلك إلى استدارته نحو سوريا الشقيقة وشعبها المنكوب بظلم النظام في الداخل، وغزوه الحزب من الخارج،
وقفة أخيرة: لغة القتل العمد والإعدام المجاني يبدو أنها آخذة في الانتشار والتعميم، وها هو مواطن عرسالي يقتل قبل أيام بهذه الطريقة، بدم بارد، وبالأسلوب نفسه والغايات نفسها، والحزب في كل الحالات، صامت صمت « أبو الهول « وكأنما آلة القتل هذه جزء من ماكنة قاتلة بدأت تعم البلاد، وترهب العباد… وقى الله الوطن.
وماذا بعد… واقع لا بد وان يعلمه الجميع وفي طليعتهم الظلمة والغازون: لغة الغزو والإحتلال باتت لغة بائدة من الماضي،والشعب بالنتيجة… هو الأعلى وهو المنتصر هذه هي لغة التاريخ.