هناك تاريخ عريق في الولايات المتحدة للظاهرة المعروفة باسم Whistle-blowing أي الموظف الذي “يصفّر” ويكشف ممارسات غير قانونية او فساداً كبيراً، لاسباب اخلاقية او سياسية. ويعتبر دانيال الزبيرغ الذي سرب سبعة آلاف صفحة من وثائق سرية لوزارة الدفاع عرفت بـ”اوراق البنتاغون” وكشف فيها التضليل المنظم لادارة الرئيس ليندون جونسون للاميركيين حول حرب فيتنام، من ابرز “المصفّرين”.
اليوم يصف الزبيرغ وغيره، المحلل الاستخباري ادوارد سنودن، الذي كشف برنامجاً شاملاً لوكالة الامن القومي لرصد المكالمات الهاتفية للاميركيين ومراقبة الاتصالات الالكترونية للملايين في العالم، بانه بطل قومي. آخرون يصفونه بانه خائن. الفارق الرئيسي بين الاثنين هو ان الزبيرغ كشف ممارسات غير شرعية، بينما كشف سنودن ممارسات قانونية وتتم بعلم الكونغرس.
ما لا ثمة نقاش في شأنه هو ان هجمات 11 ايلول 2001 قربت اميركا ومجتمعها المفتوح، اكثر من أي وقت مضى، من “دولة الامن القومي”، إذ صار هاجس مكافحة الارهاب هو المهيمن على جميع الاجهزة المعنية بالامن القومي، وأعطى “قانون المواطنة” السلطات صلاحيات واسعة لمراقبة ورصد نشاطات الاميركيين واتصالاتهم بطريقة اثارت جدلا دستوريا حادا. في هذه الحقبة شعر الاميركيون بان خصوصيتهم وحرياتهم صارت في دائرة الضوء، من تفتيشهم الجسدي في المطارات، الى رصد اتصالاتهم.
الجدل القانوني والسياسي الذي اثارته تسريبات سنودن سوف يستمر، ومن المحتمل ان يؤدي الى اصلاحات وشفافية ومراقبة مباشرة أكثر من الكونغرس كما حدث بعد تحقيقات مماثلة في نشاطات “السي آي إي” في اوائل السبعينات. اميركا كانت، وكل المؤشرات تبين انها ستبقى، مجتمعا مفتوحا، على رغم النمو المقلق لـ”دولة الامن القومي”. ويجب ان ننوه بان الاعلام الاميركي الحرّ، حتى في حقبة ما بعد هجمات ايلول، لا يزال ينشر تسريبات سنودن، وقبله الجندي برادلي مانينغ، الذي رمى في فضاء الانترنت كما هائلا من الوثائق والمذكرات الحكومية، التي عرفت بالويكيليكس، وكثيرين غيرهم من “المصفرين”. هذا الاعلام كشف فضيحة ابو غريب، واعمال التعذيب في غوانتانامو، والمعتقلات السرية التي كانت “السي آي إي” تديرها في العالم، والتنصت على مكالمات الاميركيين مع افراد في الخارج يشتبه في تورطهم في الارهاب وغيرها من “الفضائح”.
ومع ذلك، فان الخوف من “دولة الامن القومي” مبرر وشرعي، خصوصاً ان هناك شركة مقلقة بين اجهزة الاستخبارات وشركات خاصة تجمع المعلومات الاستخبارية وتنفق 70 في المئة من موازنة الاستخبارات. في 1961 انهى الرئيس دوايت أيزنهاور ولايته بتحذير الاميركيين من اخطار “المجمع الصناعي – العسكري”. اليوم هناك اخطار مماثلة من مجمع استخباري وشركات خاصة ضخمة تعمل في الظل.
دولة الأمن القومي
المصدر:
النهار