فيه شيء من العبث البيزنطي الكلام المتعلق بالانتخابات النيابية والشغل المتصل بها الذي يخصّ راهناً المجلس الدستوري. كما فيه شيء من سوء الفطن والارتباك في رصف الأولويات والمفاضلة بين السيئ والأسوأ.
.. وكأنّ لبنان في موقع القدرة على ذلك الترف الفكري والسياسي الذي تفرضه آلية الانتخابات في نظامه الديموقراطي “الخاص”. أو كأنّه في حالة تتيح له اعتماد تلك الممارسة وفق الشروط التي تتطلبها وتفرضها وعلى كل المستويات، السياسية والأمنية والإعلامية والقانونية والمالية والتعبوية.. إلخ!
بعض المحاججين سيئ النيّة. يجد الصورة العامة المشلّعة والمفتوحة على النار، فرصة ذاتية له لتحقيق مكاسب مفترضة. وبعضهم مبدئي يتصرف انطلاقاً من دوره ومسؤولياته الوطنية الكبرى أو انطلاقاً من قناعته التامة والراسخة بأنّ صناديق الاقتراع العام أقوى في المصائر الكبرى، من صناديق الذخائر والصواريخ، وأنّ الحراك المدني أقوى وأفعل من حراك غرف العمليات الحربية، وأنّ لبنان في النهاية لا يزال وطناً وليس ثكنة حزبية، وإن كان اكتمال هذا الوطن، مشروعاً مؤجلاً لألف علّة وسبب في مقدّمها ورأسها وأساسها ومتنها وهامشها وظاهرها وباطنها، السلاح وحزبه ومشروعه وارتباطاته.
الافتراض المبدئي بحسن نيّات بعض المحاججين الانتخابيين يفرض كلاماً خارج السياق الاتهامي، وخارج السياق المألوف في المعركة السياسية المفتوحة، بل وخارج النص الجدالي القائم على مواجهة الشتيمة بالحجّة والجنون بالمنطق. وبالتالي يمكن القفز في هذا المعطى، فوق الاصطفاف السياسي وحساباته وتفاصيله وشروطه، ومقاربة قضية الانتخابات انطلاقاً من المصير العام وليس من “المصير” العددي للمقاعد النيابية:
عن أي انتخابات يدور الكلام فيما الجمهورية برمّتها تترنّح في حضن الفتنة الكبرى؟ وفي وقت يكاد جلّ عمل مؤسسات الدولة أو ما تبقّى منها يتمحور حول كيفية منع تحوّل أي حادث سير أو خطف أو قتل، إلى شرارة تشعل البركان بما ومَن فيه؟ وعن أي انتخابات يدور الكلام فيما “النظام” من أساسه صار خارج الخدمة ودستوره معلّق على حبل وقائع وبنود مشروع “حزب الله” وسلاحه؟ وقوانينه دخلت في “كوما” التاريخ وصارت مداراً للتندر المرير والأسود؟ وعن أي انتخابات يدور الكلام فيما الناس تكاد أن تأكل بعضها بعضاً؟.. انتخابات في لبنان! لكن أي لبنان بالتحديد؟ ذلك الذي تأبّطه “حزب الله” وراح به إلى إيران مروراً بسوريا بشار الأسد؟ أم لبنان الكسيح المبتلي بلعنة الجغرافيا السياسية وحدودها المشتعلة؟ أم لبنان البيزنطي الغارق في شر هوامشه فيما عصبه الوجودي المركزي يكاد أن ينفجر مرّة واحدة وأخيرة؟
فلنصلّي معاً كي يبقى لبنان أولاً وبعدها لكل انتخابات حديث!