سقطت الأقنعة وخُلعت القفازات، وباتت المجاهرة بحقيقة تورط «حزب الله» في الصراع السوري أمراً طبيعياً، بغض النظر عمّا إذا كان يدفع بالساحة الداخلية نحو هاوية الاقتتال الطائفي أو الحرب الأهلية، التي شبع منها اللبنانيون طوال خمسة عشر عاماً، ولم تجرّ لهم سوى الويلات والدمار، أم يزيد من الانشقاق العامودي الحاصل، ويُشعل نار الشحن المناطقية بين شركاء الوطن.
وإذا سلمنا جدلاً بأن خطر التكفيريين الداهم هو الدافع لهذا التورط ، يبقى السؤال: أيهما أخطر مواجهة التكفيريين متحدين عند جبهة الوطن، حيث تجد المقاومة الاحتضان الشعبي، والإجماع الوطني حولها، لتوظيف كل طاقاتها في هذه المواجهة، واللذان شكلا أهم عوامل انتصار المقاومة في دحر الاحتلال عام 2000، ومواجهة أعتى جيوش المنطقة وأكثرها تطوراً، أم أن الأفضل خوض المعركة إلى جانب الحليف الاستراتيجي السوري وبشكل منفرد، ضاربين عرض الحائط كل المناشدات والتحذيرات من عواقب هذا القرار على الوحدة الداخلية، وعلى موقف لبنان تجاه المجتمع الدولي؟
لقد بلغت تعقيدات وتشابكات الخريطة السياسية في لبنان حداً بات أخطر بكثير من الحركات الإسلامية المتشددة، فإذا بالانقسام الحاصل ينسحب على المؤسسات الرسمية، التي باتت في حكم المعطلة، وإذا بالصراع الطائفي والسياسي يظهر جلياً في مسار السلطة القضائية، فترى المجلس الدستوري عاجزاً عن البت بأية قرارات خوفاً على الاستقرار الداخلي المهزوز أصلاً، وعلى الوحدة الوطنية المفقودة!
لقد خاض لبنان مواجهة مع التكفيريين تكللت بالانتصار في معركة نهر البارد، حيث أكّد الجيش مرّة جديدة انه الضمانة الحقيقية للعيش المشترك وجوهر وجود الدولة، ولا ضير في تكرار التجربة والتنسيق مع المقاومة، وتجنيد طاقاتها في حماية الوطن إذا دعت الحاجة، ولكن جر البلد ومن فيه إلى حرب على أرض دولة شقيقة، إنما هو الانتحار بعينه، ويفتح الساحة الداخلية لشتى الاحتمالات مع كل ما تحمل من مبررات لوضع حد للتدخل بشؤون دولة مستقلة تشهد معركة وجود بين نظام ومعارضيه، ومع كل الأحقاد ودوافع الانتقام التي تترافق مع هذه الممارسات، ناهيك عن الانعكاسات السلبية في علاقة لبنان مع جيرانه والمجتمع الدولي، والثمن الباهظ الذي يدفعه اللبنانيون المقيمون في الخارج سعياً وراء لقمة العيش، والحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
إن التدخل السافر في الأزمة السورية شرّع استباحة الأجواء اللبنانية، التي لم تكن مصانة يوماً، ولكن باتت الضربات تأتي من الجارين، شرقاً وجنوباً، في وقت لا تزال طرابلس وصيدا تشكلان الأرضية الخصبة لإشعال الفتنة ونشرها في هشيم الوطن!
إن الوقت لم يفت على إعادة ترتيب الأولويات، ولا بدّ من إعادة مصلحة الوطن وأمنه إلى أعلى سلمها في سبيل الحد من الخسائر الجمة التي يتكبدها لبنان، شعباً وأرضاً وبقايا دولة مؤسسات، في محاولة أخيرة لتوحيد وجهة العدو ولو اختلفت استراتيجيات المواجهة، وإلا تحوّل كل لبناني إلى مشروع عدو، وكل أرض قابلة للتحرير، وكأن سنين طويلة من الحرب الأهلية البغيضة مجّتها ذاكرة شعب أضعفها التعصب، وأعمتها الكراهية، فتحولنا جميعاً ومن دون استثناء إلى جماعات تكفيرية، تشكّل خطراً على الوطن وأمنه، وإلى قبائل من عصر الجاهلية ينهش شبابها لحوم بعضهم!