صحيح أن صرخة الرئيس سليمان المدوية التي أطلقها أمس رفضاً للعدوان السوري ليست بجديدة، فهو الذي تمايز عن باقي أهل الحكم، وعن أعضاء حكومة “حزب الله” وبشار الأسد، منذ أن بدأت الخروق والاعتداءات السورية على السيادة اللبنانية، في شمال البلاد وشرقها، الا أن ميزة موقفه الجديد، كانت الحزم في التعاطي مع هذه الإنتهاكات، وإعلانه صراحة أنه لن يقف مكتوف اليدين، وأنه سيبادر الى رفع شكوى الى جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي ليأخذا دورهما في وقف هذه الانتهاكات التي تحصد الأبرياء من اللبنانيين، والتحوّل الفاصل أيضاً جاء في الموقف الواضح والصريح والمباشر لقيادة الجيش اللبناني، التي أعلنت للمرة الأولى أنها اتخذت كل الإجراءات الكفيلة بحماية السيادة من التعديات السورية، والردّ عليها بالمثل في حال تكررت، وسرعان ما استتبع بيانها بمعلومات عن حالة استنفار وجهوزية عالية اتخذتها وحدات الجيش للرد على أي خرق من الجانب السوري، أياً تكن الجهة المعتدية.
هذا الأمر المستجد، تلاقى مع النداء الذي وجّهه الرئيس سعد الحريري الى اللبنانيين أمس، وأكد فيه “أن ما يواجه لبنان في المرحلة الراهنة، أنه يقترب من حافة الخطر الوجودي ويهدد رسالة لبنان وقيم التنوع”. وتأكيده أن “حزب الله يضع المصير الوطني مرة أخرى أمام منعطف خطير، وأن أكثر ما يحتاج الوطن في هذه المرحلة كلمة حق في وجه سلاح ظالم، توقف المسلسل الإيراني وحروبه بدماء اللبنانيين على أرضنا”.
أمام هذه المواقف الحازمة، لا سيما موقف الجيش اللبناني، فهم الجانب السوري أبعاد مثل هذا القرار الفريد وهذه اللهجة التي لم يسبق أن تعوّد عليها لا سيما أنه صادر عن قيادة الجيش، جاء موقف النظام السوري التبريري لعدوانه، فإذا به يسارع الى تسويق أكاذيبه المعهودة، بأن قواته كانت تطارد عناصر مسلحة، وأن هؤلاء المسلحين فروا الى الأراضي اللبنانية، وهي اضطرت الى ملاحقتهم بالنار، في محاولة للتخفيف من جريمتها، خصوصاً بعدما باتت هذه الجرائم خارج قدرة الدولة اللبنانية على تحملها أو هضمها، ولأنها أصبحت تحرج حلفاءها قبل أخصامها، لا سيما وزير الخارجية عدنان منصور الذي بدا أول من أمس كمن يتنصل من الموقف الذي أطلقه في جامعة الدول العربية، حول دعمه للنظام السوري وتبرير تدخل “حزب الله” الى جانبه، ليعود الى منطق “النأي بالنفس”، وتأكيده التزامه هذه السياسة التي لن يحيد عنها، انسجاماً مع موقف الحكومة ورئيس الجمهورية الذي تتسع الهوة بينه وبين نظام الأسد وأتباعه في لبنان، ليس الآن إنما منذ حوالى السنة عندما كلّف وزير الخارجية استدعاء السفير السوري علي عبدالكريم علي وإبلاغه احتجاجاً رسمياً على انتهاكات قوات بلاده للبنان، والتي وبدل أن ينفّذها منصور، حوّل وزارة الخارجية منبراً لسفير بشار الأسد، راح يوجه الانتقادات الى رئيس الجمهورية ويحمّل لبنان مسؤولية تعرّض سوريا للاعتداء من الجانب اللبناني، معتمداً بذلك على غطاء سياسي من حكومة تابعة ومنصاعة كلياً لتعليماته وأوامره.. حكومة تتغنّى بأكذوبة “النأي بالنفس”، ليتضح أنها كانت تنأى بنفسها عما يلحق باللبنانيين في عكار والبقاع من ويلات، فيما كانت تغطي دخول الآلاف من مقاتلي الحزب الى سوريا، لقتل الشعب السوري، بذريعة أن هؤلاء لبنانيون شيعة يقيمون في الداخل السوري ويدافعون عن قراهم، قبل أن يُكشف المستور وتبدأ جثث القتلى تنقل الى لبنان بالعشرات.
ويبدو أن ما يتعرّض له لبنان لم يعد مدار قلق داخلي فحسب، إنما بات تحت المجهر الدولي، فها هي وزارة الخارجية الفرنسية تسارع الى إدانة القصف السوري على بلدة عرسال بشدة، وتعتبر أنه يشكل انتهاكاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهي ترى أن الاستفزازات السورية والمس بالسلم الأهلي في لبنان غير مقبولة، في ما يشبه الكلام التحذيري.. من هنا جاءت مذكرة وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى نظيره اللبناني عدنان منصور، الذي شدد فيها على حرص بلاده على تطبيق الاتفاقيات الأمنية الموقعة بين البلدين وحرص سوريا على أمن لبنان، وأهمية قيام الجيش اللبناني بضبط الحدود بما يضمن الأمن والاستقرار. هذا الموقف الذي يبدو مهادناً في الشكل، لا يخرج عن أدبيات النظام السوري التي تعودها اللبنانيون منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما يتحدث بالمثل والقيم ويطبق نقيضها تماماً.
وبغضّ النظر عن استجرار مواقف دولية أخرى قد تظهر تباعاً، بعد تقديم لبنان شكواه الى الجامعة العربية والأمم المتحدة، فإن المفارقة تكمن في أن أتباع النظام السوري وملحقاته في لبنان، لا يجدون ضيراً في هذه الاعتداءات، إنما يبتدعون الذرائع لها، ويرون فيها تصرفاً عاقلاً من دولة تدافع عن سيادتها وتحارب المجموعات المسلحة، علماً أن أحداً من اللبنانيين لم يلحظ سقوط قتيل من المسلحين المفترضين، إنما الضحايا دوماً من الأبرياء الذين لا يجدون إلا عرسال وبلدات عكار الفقيرة مخبأ لهم يقيهم هذا العدوان، تماماً كما أطفال باب التبانة الذين يفتقرون الى الملاجئ أو المباني المحصنة التي تنقذ أجسادهم الطرية من قذائف وصواريخ الأسد المتمركزة في جبل محسن.. هذا الأسلوب نفسه يمارسه “حزب الله” على الأبرياء في سوريا، إذ يغزو قراهم ويدمر بيوتهم ويحرقها، ويحوّل ساكنيها الى أشلاء، والحجة موجودة وقائمة وجاهزة، وهي قتال التكفيريين والإرهابيين الذين لم يُعثر على أي منهم، والغريب في الأمر أن الكاميرات التي تلتقط الصور من الميدان، لم تعثر على جثة إرهابي ممن جرّدت كل هذه الجحافل لمحاربتهم، فهي لا تعثر إلا على أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ في القصير وكل بقعة يحلّ فيها مقاتلو “الواجب الجهادي” ورفاق السلاح من شبيحة الأسد، والحرس الثوري الإيراني والتنظيمات العراقية المتطرفة.
فما بين صرخة رئيس البلاد التي اخترقت الآذان الصمّاء، ونداء الرئيس الحريري ونبرة قيادة الجيش التي صعقت من كان يعتقد أن المؤسسة العسكرية واقفة في محوره، ومتخلية عن واجب حماية أهلها، ثمّة شيء تغيّر وهو أن الدولة بما تبقى لها من مؤسسات وسلطة وهيبة، لن تبقى صامتة أمام استضعافها، ولن تكون “جحا” الذي حلّ العار في داره.