#adsense

رياح الاقتصاد العالمي وتوقعات المستقبل

حجم الخط

الزيارة الاولى التي قام بها رئيس الوزراء الصيني الجديد لدولة اوروبية كانت لسويسرا. وقد يعجب البعض من هذا الخيار، خصوصا وان المبادلات التجارية للصين مع المانيا باتت تفوق حجم مبادلاتها مع الولايات المتحدة التي كانت السوق الكبرى للمنتجات الصينية ولا تزال تحتل الموقع الثاني في علاقات الصين التجارية.

السؤال هو لماذا هذا التوجه لرئيس دولة تمثل الاقتصاد الثاني في العالم؟ والجواب المبدئي توافر من رئيس الوزراء نفسه، فهو قال ان سويسرا تمثل شريكاً رئيسياً للصين لان الحجم السنوي للمبادلات بين البلدين يبلغ 26 مليار دولار، وهذا رقم لا يستهان به، ومن ثم قال رئيس الوزراء الصيني ان سويسرا قد تكون المركز الانسب لدخول الصين الاسواق المالية العالمية، وهذا التصريح له اهمية كبيرة لأسباب نعددها ومنها ما يتصل بصورة جذرية بمستقبل الاسواق المالية العالمية.

من المعلوم ان احتياط الصين من العملات الحرة، أي الاحتياط النقدي للصين بالعملات الاجنبية، يفوق الـ3،3 تريليونات دولار، وهذا الاحتياط يشكل نسبة 40 في المئة من الاحتياط العالمي، والصين استثمرت 1،2 تريليون دولار في سندات الحكومة الاميركية، إضافة الى400 مليار دولار في توظيفات تجارية واستثمارات في القطاع الخاص.

في المقابل، عانت المصارف السويسرية نتيجة الازمة المالية العالمية خسارة حسابات وازت    1٫2 تريليون دولار وقد سحبت هذه الاموال في معظمها من اكبر مصرفين في سويسرا. وفي الوقت ذاته، وبسبب طلب السلطات الاميركية الإفصاح عن حسابات الأميركيين في المصارف السويسرية وتمنع هذه المصارف بداية عن خرق قانون السرية المصرفية، واجهت المصارف السويسرية ضغطاً مستمراً من السلطات الاميركية، واجبرت على الافصاح عن الحسابات للاميركيين بعد دفع غرامات نقدية تجاوزت1،5 مليار دولار وآخر العنقود تمثل في اقفال احد اقدم المصارف السويسرية بسبب خسارته حسابات زبائن اميركيين، وكان عمر هذا المصرف، يتجاوز100 سنة.

ادارة المصرفين الاكبر في سويسرا، وخصوصا بعد اصدار السلطات الاميركية قانون FATCA، باتت تتجه نحو اسواق جنوب شرق آسيا. وبالفعل سوق احد المصرفين المبنى الذي كان يملكه في نيويورك منذ فترة قصيرة، ولا يخفي السويسريون ميلهم الى الانسحاب من السوق الاميركية كلياً.

الابتعاد عن السوق الأميركية يعني الابتعاد تدريجاً عن التعامل بالدولار، لكن هذه النتيجة ليست سهلة لان الدولار الاميركي لا يزال وسيلة الدفع لنسبة 65 في المئة من التجارة العالمية. وعلى سبيل المثال، الدولار هو عملة الاتجار بالنفط والغاز، وذلك باستثناء معاملات ايران التي تحولت الى الاورو. وقد انحسرت صادرات ايران من النفط، وباتت تستورد الغاز من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً.

اضافة الى اهمية التعامل بالدولار، لا يزال الاقتصاد الاميركي يمثل نسبة 22 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، وقد اكتسب حديثا مميزات تنافسية نتيجة انخفاض اسعار الغاز في الولايات المتحدة الامر الذي وفر لصناعات الكهرباء والسيارات، والبتروكيماويات والاسمدة والصلب، والالمينيوم مزايا لا تتوافر للاقتصاد الاوروبي، ولا تتوافر بالتأكيد للاقتصاد الياباني الذي زاد اعتماده على مستوردات الغاز السائل بعد ايقاف المفاعلات النووية عن العمل في اليابان.

وقبل بضعة ايام اعلنت كوريا الجنوبية، العملاق الحديث في الانتاج الصناعي، عن اقفال ثلاثة مفاعلات نووية بسبب اعطال غير متوقعة، وحسب سلطات كوريا الجنوبية ستواجه البلاد ازمة امدادات على مستوى الطاقة الكهربائية خلال اشهر الصيف، وهذا الامر يعني مشقات للسكان بسبب حاجاتهم الملحة الى الكهرباء، كما يعني ارتفاع تكاليف انتاج السيارات والالكترونيات في كوريا الجنوبية.

اما الولايات المتحدة، فقد حققت اكتفاء ذاتياً في انتاج الغاز واستهلاكه، وصادرات الغاز المسيل من الولايات المتحدة سوف تبدأ سنة 2017 . وبحلول سنة 2020 ستكون صادرات الغاز المسيل من الولايات المتحدة اكبر مما هي حالياً من قطر البلد المتصدر عالمياً لصادرات الغاز المسيل. ومن ثم وبحلول سنة 2020 ستتمكن الولايات المتحدة من كفاية حاجاتها من النفط، كما يرجح ان يكون لها دور ملحوظ في صادرات النفط. بكلام آخر، خلال عقد من اليوم ستكون الولايات المتحدة الدولة الاهم على صعيد انتاج النفط والغاز عالمياً. وهذه النتيجة ستساهم في استمرار الولايات المتحدة في احتلال مركز قيادي اقتصادياً، وتاليا سياسياً لفترة غير قصيرة.

الصينيون، من جهتهم، يحققون معدلات نمو اعلى من الولايات المتحدة (8 في المئة هذا العام مقابل 2 في المئة للولايات المتحدة)، واستنادا الى عدد مجلة “الايكونوميست” الاسبوع الماضي حقق العالم خلال السنين العشر الاخيرة نجاحاً كبيراً في رفع مستوى معيشة مليار انسان الى طبقة ذوي الدخل المتوسط. لكن الصين وحدها حققت ارتفاع مستوى معيشة 640 مليون صيني من المليار، وان هي توصلت الى انجاز مماثل خلال السنين العشر المقبلة تصير نسبة 80 في المئة من الصينيين من الميسورين نسبياً، وهذه نتيجة بالغة الاهمية للصين ولبقية العالم، لان الصين ستصير الدولة الكبرى اقتصادياً قبل حلول سنة 2025.
استناداً الى انجازاتها، تعتبر الصين ان عملتها يجب ان تحل تدريجاً محل الدولار، وقد بدأت تتعامل مع كوريا الجنوبية واليابان على هذا الاساس. وتوجه الصين نحو الاستثمار الكثيف في افريقيا، ونحو اعتماد سويسرا مركزا اساسيا لمشاركتها في النظام المالي العالمي، انما يعبر بالفعل عن مسعى الصين الى خفض الاعتماد على الدولار عملة اساسية في تمويل التجارة العالمية.
ان هذا الهدف لن يتحقق بسرعة. فالدولار هو عملة التبادل التجاري العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانحسار دور الجنيه الإسترليني وأهميته، ومنذ انجاز اتفاقات بريتون وودز التي لا تزال توفر اطار النظام النقدي العالمي، على رغم تعرض النظام ككل للاهتزاز منذ تشرين الاول 2008 واعلان افلاس بنك ليمان براذرز.

المصدر:
النهار

خبر عاجل