1. يتغاضى هذا النداء تماما» عن وجود إتفاق الطائف، العقد الإجتماعي-السياسي، الذي حدد ماهية لبنان جدد دستوره وحدد الإصلاحات في نظامه السياسي وآليات تنفيذها. وأذكّر السادة الموقعين على النداء بأن هذا «الإتفاق التأسيسي» للبنان بشقه الداخلي، يقوم على المعادلة الرئيسية التالية: المناصفة في السلطة على قاعدة العيش المشترك إلى حين إلغاء الطائفية وفق آلية محددة وضعت في المادة 95 المعدلة من الدستور. لذا، فإذا ثمة حاجة وضرورة وظروفاً مؤاتية لولوج طريق تحقيق الدولة المدنية، فما علينا إلا إستخدام آليات الطائف والدستور بدلاً» من الإنقلاب عليهما.
2. في واقع الحال، فإن الطائف لم ينفذ يوما» لا في ظل الوصاية الأسدية على لبنان حتى عام 2005 ولا في ظل وضع اليد الإيرانية المقنعة والثقيلة على لبنان منذ هذا التاريخ وحتى يومنا هذا. والحقيقة أن الإحتلال، أي إحتلال، يلغي الدولة والنظام، أية دولة وأي نظام، ليحكم هو عبر تنفيذ شكلي للدستور والقوانين والأنظمة من خلال دولة شكلية! فالدولة لا يمكنها إلا أن تكون فاشلة في ظل أي إحتلال وأية مصادرة لإرادة الشعب! ولا شك بأن لفشل الدولة اللبنانية أسبابا» أساسية أخرى. غير أن معالجة فشلها لا تستقيم إلا بعد زوال الإحتلال، أي زوال السبب الرئيسي وليس فقط الأساسي لفشلها.
3. أما الوجه الخاص لحال لبنان هذا منذ 2005، فهو أن حزب الله أخذ مكان المحتل الأسدي في عملية وضع اليد على السلطة الفعلية في لبنان: فهو الأقوى خارج الدولة وأقوى منها وتحول إلى أن يكون منذ 2009 هو ايضا» الأقوى في الدولة. أما اليوم، فهب لنجدة حليفه الإستراتيجي، أعني الحكم الأسدي، في إطار قرار مركزي من إيران التي تتزعم محور «الممانعة»، رابطا» مصيره بمصير الأسد، وإلى حد رسم كيان «مقاوم ممانع» عابر للحدود اللبنانية (حدود سايكس-بيكو كما يقولون) يربط الساحل «العلوي (المنوي تطهيره من الوجود السني) بالهرمل الشيعي تحت نفوذ حزب الله المباشر. هذا هو المعنى العميق لمعركة القصير.
4. وهكذا يتبين أنه في ظل إحتدام معركة المحور الإيراني مع أعدائه ووصول الصراع إلى هذا الحد من التحولات الحاسمة، باتت مصلحة حزب الله تقضي بتهزيل الدولة اللبنانية بحيث تصبح دولة ليست فقط فاشلة، إنما في غاية الفشل إلى حد الزوال.
5. إن هذا النداء «لتأسيس الدولة» يتناغم مع نداء السيد نصر الله مؤخرا» في إحدى خطبه، لتشكيل هيئة تأسيسية لدولة لبنانية جديدة تتماها مع أهداف حزب الله في مسيرته لتحقيق مشروعه الإسلامي الجهادي الخاص به، والممكن الإطلاع عليه في وثيقة الحزب على إثر إنعقاد مؤتمره العام سنة 2009.
6. إن توصيف حالة الإهتراء التي تنتاب الدولة في نص النداء، فيها الكثير من الصحة. غير أن سبب هذا الإهتراء لا يكمن في ما يسمونه بالنظام الطائفي والقيادات الطائفية…. إنما في التركيبة الإجتماعية-السياسية للمجتمع اللبناني بجميع طوائفه والتي هي «مزيج هجين من الإقطاع الآري والقبلية السامية»، كما وصفها آخر متصرف في لبنان، أوهانس باشا قيومجيان. غير أن هذا موضوع آخر، لا يسعنا هنا التوسع في الحديث عنه.
بكلمة، كل ما يلمع ليس بالضرورة ذهباً»! وكل مبادرة في أي لحظة سياسية تريد أن تقدم نفسها إنقاذية ليست بالضرورة صائبة أو حكيمة، وقد تخدم من يتربص شرا» بلبنان،بغض النظر عن نوايا بعض القائمين بها.